أكدت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، أن الجزائر قطعت أشواطا مهمة في حماية تراثها المخطوط من خلال إنشاء مؤسسات متخصصة تعنى بحفظه وتوثيقه وترميمه، معتبرة أن هذا الرصيد الحضاري يمثل جزءا أساسيا من الذاكرة الوطنية ومن أدوات الحضور الثقافي الجزائري في محيطه الإقليمي والدولي.
وجاءت تصريحات الوزيرة خلال افتتاح أشغال الملتقى الدولي حول التراث المخطوط في الجزائر، المنظم بالمركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” بالجزائر العاصمة تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية، وبمشاركة مسؤولين وخبراء وباحثين من داخل الوطن وخارجه.
وأوضحت بن دودة أن المكتبة الوطنية الجزائرية شكلت عبر عقود “الحصن الأول” الذي حافظ على المخطوطات الجزائرية من محاولات الإتلاف والنهب التي تعرضت لها خلال الحقبة الاستعمارية، مشيرة إلى أن الدولة عززت هذه الجهود بإنشاء المركز الوطني للمخطوط بأدرار، الذي يتولى مهام الحماية والتوثيق والترميم بالتنسيق مع أصحاب الخزائن والمكتبات العائلية المنتشرة عبر مختلف مناطق البلاد.
وأشادت الوزيرة بالدور الذي لعبته العائلات الحافظة للمخطوطات، والتي حافظت على هذا الإرث الثقافي جيلا بعد جيل، مؤكدة أن تأثير هذه الخزائن تجاوز الحدود الوطنية ليصل إلى عمق القارة الإفريقية من خلال الرحلات العلمية والدينية التي ساهمت في نشر الإسلام ونقل العلوم والمعارف.
وفي قراءتها للأبعاد الحضارية للمخطوط، اعتبرت بن دودة أن قيمته لا تقتصر على الجانب الديني أو المعرفي، بل تمتد إلى كونه شاهدا على العلاقات التاريخية والثقافية التي ربطت الجزائر بمحيطها الإفريقي والمتوسطي.
وأضافت أن المخطوطات الجزائرية شكلت عبر القرون إحدى أدوات القوة الناعمة التي أسهمت في ترسيخ الدبلوماسية الثقافية للبلاد وتعزيز إشعاعها الحضاري.
وفي سياق جهود العصرنة والحفظ الرقمي، كشفت الوزيرة أن قطاع الثقافة نجح في رقمنة آلاف المخطوطات، مع وضع هدف لمضاعفة هذا الرقم خلال السنتين المقبلتين.
كما أشارت إلى مواصلة تحديث مخابر الحفظ والترميم وتطوير الوسائل التقنية المستخدمة في صيانة هذا التراث، منوهة بالدعم الذي قدمه الجيش الوطني الشعبي من خلال تصنيع شاحنات مخابر متنقلة لتحليل الأحبار ومرافقة عمليات الترميم الميداني.
كما أعلنت عن إطلاق مشروع جديد لدعم المحققين والباحثين المختصين في التراث المخطوط، من خلال تخصيص ميزانيات لطبع الأعمال المحققة وتشجيع الدراسات العلمية المرتبطة بهذا المجال، بما يضمن تثمين المحتوى المعرفي للمخطوطات وتسهيل استفادة الباحثين والمهتمين منها.
ويعكس هذا التوجه اهتماما متزايدا من السلطات العمومية بحماية التراث المخطوط باعتباره ركيزة من ركائز الهوية الوطنية وذاكرة الأمة، فضلا عن كونه موردا ثقافيا وعلميا قادرا على تعزيز مكانة الجزائر في المشهد الثقافي الدولي، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي جعلت من حفظ التراث وتثمينه تحديا استراتيجيا للعديد من الدول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك