ثمة مشكلة جديدة بدأت تعاني منها شركات تستخدم الذكاء الصناعي، تتمثل باستهلاك كميات هائلة من إمكانات الحواسيب من خلال الروبوتات القادرة على القراءة والشرح وتنفيذ الإجراءات، والتي تعرف باسم AI Agents كونها تعتمد في أدائها لعملياتها على الذكاء الصناعي.
ونتيجة لذلك، بدأت تلك الشركات التي تعتمد على هذه الروبوتات تعاني من مشكلة ارتفاع الفواتير بشكل كبير، وهذا ما دفع أحد المديرين التنفيذيين في شركة تقنية أميركية كبرى إلى القول: " سيتحول الأمر إلى كابوس حقيقي".
يخبرنا هذا المدير التنفيذي بأن الشركات الكبرى تستخدم عادةً مئات البرامج والتطبيقات المختلفة، وإن كان لكل برنامج منها روبوت يعتمد على الذكاء الصناعي، وهذا ما يرجح أن يحدث، عندئذ لابد لكلفة استخدام الذكاء الصناعي أن تخرج عن السيطرة بكل يسر وسهولة.
الرموز والإفراط في استخدامهاأصبحت إدارة الميزانية مصدر قلق جديد بالنسبة للشركات التي تعتمد على الذكاء الصناعي، إذ حتى وقت قريب، ظلت الشركات تشجع الموظفين على الإفراط في استخدام هذه التقنية، على اعتبار أن الإنفاق على هذا المجال دليل يثبت مدى توجه الشركة نحو تشجيع الابداع والابتكار برأي المديرين والمستثمرين.
كان المديرون والمستثمرون ينظرون إلى الإنفاق عليها بوصفه دليلاً على الابتكار، وبذلك أضحى استخدام أعداد غفيرة من" الرموز" (Tokens) وهي الوحدات النصية التي تعالجها النماذج وتُستخدم غالباً كأساس للتسعير، وسام شرف على صدر القائمين على تلك الشركات، وهذا ما حدا بالعاملين العاملون في مجال التقانة إلى وصف هذا السلوك بـ" Tokenmaxxing"، أي السعي إلى تحقيق أقصى استهلاك ممكن للرموز.
أخذت الشركات تستعرض مدى استخدام موظفيها للذكاء الاصطناعي عبر لوحات تصنيف داخلية.
فعلى سبيل المثال، صارت شركة ميتا تمنح أكثر المستخدمين نشاطاً في هذا المضمار ألقابًا مثل" أسطورة الرموز" (Token Legend).
تمثل هذه الحوافز أحد أسباب ظهور طفرة في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، بيد أن هنالك سبب آخر يتمثل في تغيّر الطريقة التي تستخدم بها الشركات هذه التقانة، فالتطبيقات التي تستهلك كميات كبيرة من الرموز (Tokens)، مثل نماذج الاستدلال (Reasoning Models) والوكلاء الأذكياء (Agents)، أصبحت أكثر رواجاً، لدرجة بات معها بعض الوكلاء يقومون بإنشاء وكلاء آخرين بأنفسهم، ما تسبب بارتفاع التكاليف بنسبة أعلى.
تعمل شركة" Ramp" المتخصصة في بطاقات الائتمان الخاصة بالشركات، على تحليل بيانات معاملات عملائها لفهم كيفية استخدامهم للذكاء الاصطناعي، وتقدّر بأن إجمالي إنفاقهم قد ارتفع بمقدار 13 ضعفاً، خلال العام الفائت، وفي شهر نيسان الماضي، أعلنت شركة" أوبر" عن إنفاقها لميزانيتها السنوية المخصصة للذكاء الاصطناعي خلال أربعة أشهر فقط.
وتواجه شركات أخرى مشكلات مماثلة، إذ هنالك شركة أنفقت 500 مليون دولار على رموز الذكاء الاصطناعي خلال شهر واحد، في حين وصف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، حالة ارتفاع تكاليف العملاء بـ" المشكلة ضخمة".
ما تزال المشكلة ضمن إطار محدود نسبياً، بما أن أكثر من ينفقون على هذا المجال هم شركات التكنولوجيا، لأنها من أوائل الجهات التي تبنت هذه التقنية، ولأن الذكاء الصناعي بارع في كتابة البرمجيات على وجه الخصوص، وهنا تقدّر شركة Ramp أن 1% من عملائها الذين ينفقون أكبر قدر من الميزانيات على الذكاء الاصطناعي بالنسبة لكل موظف يعمل لديهم يدفعون فواتير تبلغ في المتوسط نحو 7,450 دولاراً شهرياً عن كل فرد.
ويُقارن ذلك بمتوسط إنفاق يبلغ 11 دولاراً فقط لدى العميل الذي يقع في منتصف توزيع العملاء من حيث الإنفاق، أي ليس من كبار المنفقين ولا من صغارهم.
وعلى الرغم من أن فواتير الذكاء الاصطناعي لدى كبار الجهات التي تنفق على هذا المجال ما تزال منخفضة مقارنةً بكلفة توظيف مهندس يعمل في تطوير البرمجيات في سان فرانسيسكو مثلاً، فإنها تعتبر مرتفعة عند مقارنتها بكلفة توظيف مطوّر برمجيات في دلهي.
تستجيب الشركات لهذه التحديات بطرق مختلفة، إذ انتهى عصر" Tokenmaxxing" بعد أن ألغت بعض الشركات، ومنها شركتا ميتا وأمازون لوحات الشرف التي كانت تشجع على الاستهلاك المفرط للرموز.
كذلك، بدأت شركات عديدة في التفكير بدقة أكبر عند اختيار النماذج، بما أن معظم المهام لا تحتاج لنماذج متطورة وباهظة الثمن.
ويرى أران خانا من شركة Archera.
ai، التي تساعد الشركات على خفض تكاليف الحوسبة السحابية، إلى أن نموذج Sonnet من شركة Anthropic -وهو نموذج أقل حداثة نسبياً- قد يكلّف في بعض الحالات 20/1 فقط من كلفة نموذج Opus الأكثر تقدماً.
أما نموذج Kimi مفتوح المصدر الذي أطلقته شركة Moonshot AI الصينية الناشئة، فقد تصل كلفته إلى 20/1 من كلفة نموذج Sonnet نفسه.
وهنالك نهج آخر لوضع حدود على الإنفاق، فقد قامت شركة أوبر بتحديد سقف لاستخدام موظفيها للرموز (Tokens) بما يعادل 1,500 دولار شهرياً لكل أداة برمجية، وتعليقاً على ذلك تقول راشيل لايكوك من شركة" Thoughtworks" الاستشارية إن طريقة تخصيص الشركات للرموز تعتمد على المواضع التي يمكن فيها جني أكبر فائدة من الذكاء الاصطناعي، ويتمثل ذلك بمنح الشركات أكبر سقف من الرموز لمن يقومون بوظائفها الأساسية، كالمهندسين في شركات التكنولوجيا.
بدأ بعض مزوّدي البرمجيات الذين يدمجون الذكاء الاصطناعي في منتجاتهم بتجربة نماذج تسعير جديدة، مثل التسعير القائم على النتائج، وذلك للحد من تخوف العملاء من ارتفاع التكاليف.
فعلى سبيل المثال، تقدم شركة" Intercom" خدمة يدفع فيها العميل فقط مقابل الاستفسارات التي يتم حلّها بواسطة وكيل الدعم التقني الخاص بها، كما أطلقت شركات الحوسبة السحابية الكبرى خدمات لإدارة التكاليف، تشمل أدوات لوضع الميزانيات وأساليب لتوجيه الطلبات نحو النموذج الأنسب لكل مهمة.
أما بالنسبة لمطوري النماذج أنفسهم، فإن حالة التوازن تغدو أصعب بكثير، بما أنهم يسعون لأن يستخدم العملاء أكبر عدد ممكن من الرموز، من دون أن تدفعهم التكاليف إلى التراجع عن فعل ذلك، وحالياً، تقدم تلك الجهات نفسها دعماً جزئياً يحد من كلفة تقديم خدمات الذكاء الاصطناعي للعملاء، إذ تعتمد خطة شركة OpenAI لجذب العملاء من خلال نموذج Anthropic على تخفيضات كبيرة في الأسعار، لكن في النهاية، لابد لمطور النموذج أن يسعى لتحقيق الربح، ما يعني أن تلك الأسعار سترتفع لاحقاً بكل تأكيد.
ثمة توقعات بظهور ضغط باتجاه رفع الأسعار في أواخر هذه السنة، في حال، كما هو متوقع، تم طرح أسهم Anthropic وOpenAI للاكتتاب العام كما يتوقع كثيرون، وعندئذ، ما على العملاء إلا أن ينتظروا أن تصلهم فواتير ذكاء اصطناعي أعلى سعراً، مما قد يصيبهم بصدمة بالغة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك