تحوّلت الفضائيات إلى ألوان كأس العالم لكرة القدم، وفارق الوقت مع أمريكا ليس عائقًا، فقد جرى تغيير الساعات وضبطت المواعيد على مواقيت المباريات، لأن لا حديث هذه الأيام سوى عن مباريات المونديال.
إنّه الحدث الأكبر في كرة القدم وهذه الرّياضة في مرتبة عليا في البلاد، لا ينافسها تخصص آخر، وعندما يحضر كلام عنها فإن المواضيع الأخرى تنحدر إلى مستويات ثانوية، ولكن هذا الشغف في الحدث الكروي الأبرز لا يقترن بحديث عن ضرورة الفوز أو تحقيق النّقاط، لأننا نعلم أن في الجهة المقابلة منتخبات أقوى، لكنه حديث عن أهمية المشاركة وفضل الظهور، بعد غيّاب في دورتين سابقتين.
هكذا تتحوّل الكرة إلى لحظة يعلو فيها الشغف مثلما تعلو فيها الآمال، ولا سبيل للإنسان للنجاة من واقعه سوى بالأمل والحلم، والجميع يرجو أن يبلغ المنتخب الوطني أدوارًا متقدمة، وذلك ما نتمنّاه نحن كذلك، مع أن الأمنيات ليست بالضرورة قابلة للتّحقيق، ولكن هل يمكن أن نتعاطى مع مباريات المونديال بوصفها حدثًا رياضيًا فحسب؟ ونضعها في سياق لا يخرج عن الحدود، بدل تجييش العواطف؟ لأن العواطف كلما تسلّقت السماء فإن الخيبة تصير أشدّ قسوة.
يحصل أن ترتبط كلّ معايير النجاح والفشل على مصير مباراة لا تدوم أكثر من ساعة ونصف الساعة من الزّمن.
وأمام التجنيد الذي دخل فيه الإعلام الرّياضي، يشعر المشاهد وأنّه مقبل على حدث من شأنه أن يحدّد مصير بلد.
لا يختلف اثنان أن الإعلام الرّياضي في الجزائر هو الخاصرة الرّخوة في المشهد الإعلامي برمته.
هو قطاع يعجّ بمن يطلق عليهم محلّلون أو معلّقون أو مختصون، ويندر فيه صحافيون.
ونقصد من صحافيين أولئك الذين يتحدثون أمام الكاميرا من غير عاطفة ومن دون انحياز، أولئك الذين يفيدون بالخبر من غير إخضاع الخبر للتجميل، أولئك الذين يعلنون عن هزيمة – في حال حصلت – من غير البحث عن أسباب في تبريرها، أو يعلنون على انتصار من غير أن يرتبط الفوز بفضل شخص على الآخرين.
إنّه إعلام رياضي كرّس مكانة له بفضل المنتخب الوطني لكرة القدم.
إذا سحبنا المنتخب من سرديته فلن يبقى له شيء يتحدّث عنه.
لأن الخوض في البطولة المحلية لا يغري الأسماع ولا يجلب مشاهدين كما ينبغي، إنّها بطولة لا نعرف متى تبدأ ولا متى تنتهي، نسمع فقط عن المتوّج بلقبها ثم يُطوى ملفها.
وترتفع أسهم الإعلام الرّياضي أو تنخفض بحسب نتائج المنتخب الأوّل.
هو المقياس في كسب المشاهدين أو خسرانهم، لأن المنتخبات الأخرى في الرياضات الجماعية الأخرى تقلّ أهميتها، لا نسمع إلا نادرًا من يناقش مسائل منتخب كرة اليد أو منتخب كرة السلة أو منتخب الكرة الطائرة.
هل يعرف الجزائريون أسماء لاعبي منتخب بلدهم في الكرة الطائرة؟الغالب لا.
وحدها كرة القدم تجمّل وجه الإعلام الرياضي.
لذلك فإن الحديث عن المنتخب الوطني هو خبز تقتات منه.
وإن انصرفت عنه فإنها تحكم على نفسها بالعزلة.
وعندما يستحضرون حديثا عن رفقاء رياض محرز فإن البلاتوهات تتحوّل إلى ما يشبه جلسة عائلية، يكتظ فيها لاعبون سابقون، من أولئك الذين كانوا نجومًا عندما كانت الملاعب من عشب اصطناعي، مدرّبون سابقون، حكّام سابقون، ويندر فيها صحافيون.
لأن الصحافة الرياضية في الجزائر لا تلتفت سوى قليلًا إلى خريجي معاهد الإعلام، لأن هؤلاء ليسوا من المشاهير، بل تكسب المشاهدين باستضافة أسماء تقاعدت عن مهنتها، من لاعبين كانوا مشاهير في زمانهم ثم خفت نورهم، أو مدربين كانت لهم مكانة ثم تقاعدوا.
إنّها صحافة المتقاعدين إن صحّ التعبير، تستحضر أشخاص من الماضي، لأن ماضي الكرة أجمل من حاضرها.
كما إأها صحافة ذكورية بامتياز.
هل سبق أن شاهد أحد امرأة في أستديو تحليل؟ على الرّغم من أن البلاد تتوافر على منتخب للكرة النسوية وتنشط فيها بطولة للكرة النسوية، لكن لم نشاهد امرأة تنال الحقّ في الكلام، وفي التعليق على نتائج المنتخب.
يمكن أن نرى نساءً في دفّة النقد والتحليل في قنوات أجنبية، والإعلام في الجزائر مولع بما يحصل في الخارج، لكن عندما يتعلّق الأمر بالكرة يصير إعلاما «محافظًا»، يلغي المرأة، ولا مكانة أمام الكاميرا عدا للرجال.
ولفت انتباهي، قبل أيام، أحد المذيعين المحللين، والذي أبدى امتعاضًا أن لاعبي منتخب المكسيك ينتعلون أحذية بلون ورديّ، ومن منظوره فإن الوردي لون أنثوي ولا يصحّ أن يدخل ملاعب الكرة.
من عادات الفضائيات في الجزائر أن تستضيف بعض الأجانب في التّعليق على الأحداث أو مناقشتها، بما فيها موضوعات من الشأن الدّاخلي، لكن عندما يتعلّق الأمر بمنتخب الكرة فإن المسألة تصير محليّة محضة، المعلّقون والمحللون كلّهم من الداخل، ولا حرج إن كانوا من المهجر، لكنهم جزائريون، ولا نسمع عن محلل أجنبي من دولة أخرى يبدي رأيا في أداء مباراة أو نتيجتها، وكأن المنتخب الوطني حكر على الإعلام المحلي.
وإن تحدّث عنه أجبني بالحسنى فسوف يرحبون بقوله، وإن قال عكس الظنون فسوف يردون عليه بالتجاهل أو يريدون عليه على الهواء.
هكذا هو الإعلام الرياضي، لا يريد أن يصغي سوى إلى صوته.
إنه إعلام يسمح لنفسه بالتعليق عن منتخبات من دول أخرى، لكن يضايقه أن يتدخّل الآخرون في شؤون المنتخب الوطني.
وقد جرت العادة أن يخرج هذا الإعلام في إجازة مع مطلع كلّ صيف، وهي فترة تنتهي فيها البطولات ولا تجرى فيها مباريات، لكن هذا العام يتصادف مع المونديال، لذلك ألغت استوديوهات التحليل إجازتها، إلى أن تنتهي مباريات كأس العالم 2026.
وماذا يفعلون بعد ذلك؟ يركنون إلى سكون لا محالة، إلى غاية عودة مباريات المنتخب.
هكذا هو المشهد في إعلام رياضي يرتبط عضويًا بالمنتخب الوطني.
كلّما حقق هذا المنتخب نتائج إيجابية سوف يعلو شأن الإعلام الرياضي، وإن حصل العكس يتوارى هذا الإعلام إلى خلف الستار.
وهو إعلام يعلم أن هذا الشهر هو شهر حصاد، وإن لم يتحقّق له ما يرجوه فلا بدّ أن يعد المشاهدين بالتمسك بآمال أخرى في انتظار مسابقات مقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك