ليست السنة الهجرية الجديدة مجرد لحظةٍ زمنيةٍ تتبدل فيها الأرقام ولا مناسبةً عابرةً تتكرر مع دوران الشهور وتعاقب الأعوام بل هي وقفةٌ مع الذات والتاريخ والرسالة إنها استدعاءٌ لذاكرة أمةٍ وُلدت من رحم التحديات ونهضت على أكتاف الرجال المؤمنين الذين أدركوا أن صناعة المستقبل لا تكون بالاستسلام للواقع بل بالقدرة على تجاوزه وصياغة واقعٍ جديد أكثر عدلاً وكرامةً وإنسانية.
فالهجرة النبوية التي ارتبط بها ميلاد التقويم الهجري لم تكن رحلة نجاةٍ من أذى ولا انتقالاً جغرافياً بين مدينتين فحسب بل كانت إعلاناً حضارياً بأن الأفكار العظيمة لا تُهزم وأن الرسالات الخالدة قادرة على تحويل المحن إلى منح والضعف إلى قوة والشتات إلى وحدة والخوف إلى طمأنينة لقد كانت الهجرة لحظة انتصار المعنى على المادة والإيمان على اليأس والرؤية على العوائق.
ومن هنا جاءت عظمة هذا الحدث فالأمم تُؤرّخ عادةً لانتصاراتها العسكرية أو لجلوس ملوكها أو لتأسيس دولها أما الأمة الإسلامية فقد اختارت أن تبدأ تاريخها من لحظة تضحيةٍ وصبرٍ وعطاء وكأنها تعلن للأجيال أن بناء الحضارات يبدأ بالفكرة قبل السيف وبالقيم قبل القوة وبالإنسان قبل العمران.
ومع إشراقة كل عام هجري جديد تتجدد حقيقة كبرى يغفل عنها كثيرون وهي أن الزمن ليس ما يمر بنا بل ما نصنعه فيه فالأعمار لا تُقاس بعدد السنوات التي نعبرها وإنما بقدر ما نتركه من أثر وما نغرسه من خير وما نبنيه من معرفة وما نقدمه من نفع للناس فالزمن في ميزان الحضارات ليس ساعاتٍ وأياماً بل إنجازاتٌ وأفكارٌ ومواقف خالدة.
إن العام الجديد لا يضيف إلى أعمارنا سنةً بقدر ما يقتطع منها عاماً لن يعود ولذلك فهو يدعونا إلى مراجعة عميقة لمعنى وجودنا ورسالتنا في هذه الحياة ماذا أضفنا لأنفسنا؟ وماذا قدمنا لأوطاننا؟ وما الأثر الذي سيبقى شاهداً علينا حين تنطوي صفحات الأيام؟ إنها أسئلة تفرضها حركة الزمن على كل إنسان يدرك أن الحياة فرصةٌ لا تتكرر وأن الخسارة العظيمة ليست في ضياع المال أو المنصب وإنما في ضياع العمر دون غاية.
وتأتي ذكرى الهجرة لتؤكد أن النهضة ليست حدثاً مفاجئاً بل ثمرة وعيٍ وإرادة وعملٍ متواصل فكل انتقال من حالٍ إلى حال هو نوع من الهجرة هجرة من الجهل إلى المعرفة ومن السلبية إلى المبادرة ومن التبعية إلى الإبداع ومن الفرقة إلى الوحدة ومن الجمود إلى التجدد وحين تدرك الأمم هذا المعنى تصبح قادرة على صناعة مستقبلها مهما عظمت التحديات وتكاثرت الأزمات.
وفي عالمٍ تتسارع فيه التحولات وتتبدل فيه الموازين تبقى الهجرة النبوية درساً متجدداً في أن القيم الكبرى لا تشيخ وأن المبادئ الراسخة هي البوصلة التي تحفظ للأمم هويتها وسط أمواج التغير فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها وإنما تُبنى بالإنسان الواعي والعقل المنتج والإرادة التي لا تنكسر أمام الصعاب.
ومع مطلع هذا العام الهجري الجديد لا نحتاج إلى أمنياتٍ بقدر حاجتنا إلى رؤية ولا إلى كلماتٍ بقدر حاجتنا إلى عمل فالتاريخ لا يذكر الذين انتظروا بل يخلّد الذين بادروا ولا يحتفي بمن عاشوا الزمن بل بمن صنعوا فيه أثراً يستحق البقاء.
وهكذا يجيء العام الهجري الجديد ليذكرنا بأن الحياة رحلة هجرةٍ متواصلة نحو الأفضل وأن الإنسان الحق هو الذي يهاجر كل يوم من نقصه إلى كماله ومن ضعفه إلى قوته ومن أنانيته إلى عطائه ومن حدود ذاته إلى رحابة رسالته فإذا كان الزمن يمضي بلا توقف فإن الحكمة كل الحكمة أن نجعل من مروره سلّماً نرتقي به لا ظلاً نعبر تحته ثم نغيب.
عام هجري جديد ليس بدايةً لتاريخٍ يُكتب على الورق بل بدايةً لعهدٍ يُكتب في الضمائر وتُترجم حروفه عملاً وإنجازاً وأثراً يبقى ما بقيت الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك