تلقت بعثة منتخب الجزائر مفاجأة غير متوقعة قبل انطلاق مشوارها في كأس العالم 2026، حينما قرّرت مدينة صغيرة في قلب ولاية كانساس الأميركية، أن تفتح قلبها للمنتخب الجزائري، وأن تتحول خلال أيام قليلة إلى مساحة خضراء وبيضاء وحمراء، على بعد آلاف الكيلومترات من الجزائر.
وتعيش مدينة لورانس واحدة من أجمل حكايات كأس العالم 2026 وأكثرها عفوية، بعدما تحولت خلال أيام قليلة إلى مدينة تنبض بألوان المنتخب الجزائري، الذي اختارها مقراً لمعسكره خلال البطولة، إذ لم تتعامل المدينة الجامعية الصغيرة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 97 ألف نسمة، مع وجود منتخب الجزائر كحدث عابر في روزنامة المونديال، بل بدت وكأنها تبنت" الخضر" فريقاً لها، وقررت أن تمنحهم استقبالاً يختلف كثيراً عن استقبال الأندية المحلية في مدنها.
ومنذ وصول بعثة المنتخب الجزائري، ليلة الأحد 7 يونيو/حزيران، بدأت ملامح العلاقة الخاصة بين الطرفين، فقد احتشد أكثر من 300 مشجع، بين جزائريين مقيمين في المنطقة وسكان محليين، تحت المطر أمام الفندق، في انتظار رياض محرز ورفاقه، مانحين إياهم استقبالاً حاراً أدهش اللاعبين والجهاز الفني.
ووصل المنتخب الجزائري إلى مقر إقامته قادماً من مطار كانساس سيتي، وسط مواكبة أمنية كبيرة، قبل أن يكتشف سريعاً أن وجوده في لورانس لن يكون مجرد إقامة هادئة خلال كأس العالم، بل تجربة إنسانية وجماهيرية مختلفة.
ورغم إقامة منتخبات كبرى في المنطقة، مثل إنكلترا وهولندا والأرجنتين، فإنّ الجزائر كانت المنتخب الذي خطف قلوب سكان المدينة.
وبحسب ما نشره موقع فوت ميركاتو الفرنسي، فخلال أيام قليلة تغيّر وجه لورانس، بانتشار أعلام الجزائر على طول شارع ماساتشوستس، وهو الشارع التجاري الرئيسي في المدينة، فيما أضيئت الأشجار بالألوان الأخضر والأبيض والأحمر، كما أن المتاجر والمقاهي قررت دخول الأجواء، فابتكرت إحدى ورش صناعة الشموع نماذج مستوحاة من ثعلب الفنك، رمز المنتخب الجزائري، بينما بدأت مقاهٍ محلية تبث موسيقى جزائرية تقليدية.
وبحسب ما نشره موقع فوت ميركاتو الفرنسي، فإن سكان لورانس، الذين يعترفون بأن معرفتهم السابقة بالجزائر لم تكن تتجاوز الخطوط العامة، أظهروا رغبة لافتة في الاقتراب من ثقافة البلد وضيوفه، وظهر ذلك في مقاطع كثيرة على مواقع التواصل، إذ رسم سكان محليون ألوان العلم الجزائري على وجوههم، ورددوا إلى جانب أبناء الجالية الهتاف الشهير: " وان، تو، ثري.
فيفا لالجيري".
أما المشهد الأكثر تأثيراً فجاء من جامعة كانساس، حين تعلمت الفرقة الموسيقية والكورال النشيد الوطني الجزائري" قسماً"، وقدموه عن ظهر قلب في مفاجأة خاصة للاعبين قبل إحدى الحصص التدريبية، كما فتحت الجامعة منشآتها لرجال المدرب فلاديمير بيتكوفيتش، ومنحتهم فرصة التعرف إلى بعض الرياضات الأميركية في أجواء ودية.
ولم تكتفِ المدينة بالأعلام والهتافات، فقد اختار الفنان الأميركي ستان هيرد أن يخلد هذه العلاقة بصورة استثنائية، بعدما صمم، يوم السبت، عملاً فنياً بشرياً ضخماً، شارك فيه نحو 800 شخص، اصطفوا على مساحة واسعة لتشكيل علم جزائري حي، جرى تصويره من الجو بطائرة مسيّرة.
وقال هيرد، في تصريحات نقلها الإعلام الفرنسي، إن الهدف من هذه المبادرة لم يكن مجرد الترحيب بالمنتخب الجزائري، بل بناء رابط يبقى في الذاكرة، وأضاف أن سكان لورانس يريدون أن يشعر الجزائريون، حتى بعد عشر سنوات، بأن لهم أصدقاء في هذه المدينة، مؤكداً أن اكتشاف قدوم الجزائر إلى لورانس كان لحظة مدهشة بالنسبة لهم.
وتابع الفنان الأميركي أن وجود المنتخب الجزائري منح المدينة فرصة للتعرف إلى الجزائريين الموجودين فيها أصلاً، وإلى ثقافة مختلفة لم تكن حاضرة بقوة في يوميات السكان، مشيراً إلى أن المدينة تقف خلف الجزائر في المونديال، بل وتتمنى فوزها على الأرجنتين.
هذه الحماسة الشعبية رافقتها ترتيبات تنظيمية وأمنية دقيقة، إذ عملت السلطات المحلية منذ نحو عامين على التحضير لاستضافة معسكر أحد منتخبات كأس العالم، وجرى تعزيز الإجراءات الأمنية حول الفندق ومركز التدريب وملعب أروهيد في كانساس سيتي، إذ تنتظر الجزائر مواجهة مرتقبة أمام الأرجنتين.
ولم تغفل شرطة لورانس جانب التواصل مع الضيوف، فزُوّد رجال الأمن بأداة ترجمة فورية مدمجة في كاميراتهم الشخصية، لتسهيل التعامل مع الجماهير الجزائرية والبعثة الرسمية، في تفصيل يعكس حجم الاهتمام الذي منحه أهل المدينة لهذه التجربة.
ويستعد الجمهور الجزائري وكذلك المدينة التي عشقت الخضر لمتابعة المواجهة الكبيرة بين الجزائر والأرجنتين، في ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء بمدينة كانساس سيتي، ضمن منافسات المجموعة العاشرة التي تضم أيضاً منتخب الأردن وكذلك منتخب النمسا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك