خرج فيلم" ولادة أخرى" (Another Birth) للمخرجة الطاجيكية الأميركية إيزابيل كالاندار (Isabelle Kalandar) من الدورة الرابعة لمهرجان بيشكيك السينمائي الدولي محملاً بالجوائز، بعدما حصد جائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (فيبريسي)، وجائزة اتحاد صانعي الأفلام في قيرغيزستان، فيما فازت بطلتا الفيلم الصغيرتان بجائزة أفضل أداء تمثيلي في مسابقة آسيا الوسطى.
جاء تتويج الفيلم بعد أشهر من عرضه العالمي الأول في المسابقة الرسمية لمهرجان بوسان السينمائي الدولي، في رحلة تصفها كالاندار بأنها انتقال بين نوعين مختلفين من الاعتراف السينمائي.
تقول المخرجة: " اكتمل الفيلم قبل وقت قصير من انطلاق مهرجان بوسان، وشعرت أن بوسان كان الميلاد الرمزي للفيلم بعد مخاض طويل ومؤلم.
أما بيشكيك؛ فكان أشبه بولادة ثانية أو إعادة ميلاد.
بوسان منح الفيلم الظهور الدولي، بينما منحته بيشكيك شعور الانتماء الإقليمي".
ترى أن المهرجان القيرغيزي بات يؤدي دوراً متزايد الأهمية في المنطقة، مضيفة: " أصبح بيشكيك واحداً من أهم المهرجانات السينمائية في آسيا الوسطى.
ما يميزه هو الطابع الحميمي للتجربة.
فهو لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يخلق مساحة للتواصل وبناء علاقات طويلة الأمد بين السينمائيين".
يروي" ولادة أخرى" قصة باراستو، طفلة تعيش في قرية جبلية نائية في طاجيكستان من دون أب.
وبينما ينشغل أطفال القرية بحياتهم اليومية، تنظر هي إلى العالم بعين مختلفة؛ إذ تراقب الولادات والموت والوحدة والفقد، وتحاول أن تفهم الحياة من خلال التفاصيل الصغيرة التي تحيط بها.
تؤدي كالاندار بنفسها دور الأم بارفين، التي تدفع ابنتها إلى حفظ قصائد الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، لتصبح القصائد جزءاً من الطريقة التي تفهم بها الطفلة العالم من حولها.
توضح المخرجة أن الفيلم لا يركز على الأشخاص الذين يهاجرون، بل على أولئك الذين يبقون خلفهم.
تقول: " يركز الفيلم على الغياب والخسارة.
بدلاً من متابعة الشخص الذي يغادر، ينظر إلى النتائج النفسية والعاطفية للهجرة بالنسبة إلى من يبقون خلفها.
في جوهره، هو تأمل في صورة الأب الغائب داخل مجتمع يمنح الأب مكانة مركزية حتى عندما يكون غائباً".
تضيف: " من خلال العلاقة بين الأم وابنتها، يستكشف الفيلم الفراغ الذي يتركه هذا الغياب والطريقة التي تضطر بها النساء والأطفال إلى التعامل معه.
بارفين تمثل تجربة كثير من النساء اللواتي يعشن الهجر والوحدة، ويحاولن مواصلة حياتهن رغم ذلك".
لم تكتفِ إيزابيل كالاندار بإخراج الفيلم وكتابته، بل ظهرت أمام الكاميرا أيضاً مجسدة شخصية بارفين، الأم التي يحمل غياب الزوج معظم جراحها وأسئلتها.
يعكس هذا الحضور الشخصي طبيعة المشروع بأكمله، إذ نشأ الفيلم خارج الأطر الإنتاجية التقليدية وباعتماد كبير على البيئة المحلية التي صُوّر فيها.
وقد اختارت كالاندار وجوهاً غير معروفة لتجسيد شخصيات العمل، ما منح الفيلم إحساساً بالصدق والقرب من الحياة اليومية التي يرصدها.
تبدو الشخصيات، من الجد المثقل بانتظار الابن الغائب إلى الطفلتين اللتين تقودان الرحلة الأسطورية في الجبال، جزءاً عضوياً من المكان نفسه، ما ينسجم مع رؤية المخرجة لفيلم يراهن على العفوية والتجربة الإنسانية أكثر من اعتماده على الأداءات المصقولة أو النجوم المحترفين.
إلى جانب شخصياته، يمنح الفيلم الجبال حضوراً مركزياً في السرد.
فالمشهد الطبيعي في وادي شاخدارا يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل وعي الشخصيات ومخيلتها.
تقول كالاندار: " تشكل الجبال مخيلة الناس الذين يعيشون بينها، وتؤثر في طريقة فهمهم للواقع.
كثيرون يؤمنون بأن الأرواح والملائكة انسحبت إلى الجبال هرباً من فساد العالم الحديث، وأنها قد تساعد أصحاب النيات الصادقة".
تتابع: " لهذا تنطلق باراستو في رحلتها للبحث عن الروح الأسطورية باري.
إنها تؤمن بصدق أن مهمتها لإنقاذ جدها تستحق المساعدة.
وهكذا تصبح الجبال مصدراً للأمل والإيمان والإمكانات، وتتحول إلى قوة روحية وثقافية تؤثر في أحلام الناس وصلواتهم وطريقة فهمهم للحياة".
يحتل شعر فروغ فرخزاد مكانة مركزية في" ولادة أخرى"، باعتباره جزءاً من البناء العاطفي والثقافي للفيلم.
تقول كالاندار: " فروغ فرخزاد جزء من تقليد ثقافي وأدبي مشترك بين إيران وأفغانستان وطاجيكستان.
طالما أنني أستطيع قراءة الشعر بلغتي، فإنني أحمل وطني معي أينما ذهبت".
تضيف أن علاقتها بالشعر بدأت في طفولتها: " نشأت في منزل كان فيه الشعر الفارسي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.
كان جدي يعبّر عن مشاعره بأبيات من عمر الخيام وسعدي والرومي.
وعندما اكتشفت فروغ فرخزاد، وجدت شيئاً مختلفاً؛ لغة حديثة ومألوفة في الوقت نفسه".
ترى أن أكثر ما أثر هو جرأة الشاعرة نفسها: " ما منحني إياه شعر فروغ كان الإذن بأن أكون شجاعة.
كما ساعدني على فهم النساء اللواتي نشأت بينهن.
في صوتها تعرفت على الكثير من صراعاتهن وصمتهن وآلامهن".
لهذا السبب أهدت الفيلم إلى فرخزاد، موضحة: " كلما قرأنا شاعراً أو كاتباً فإننا نمنحه حياة جديدة ونبقيه حياً بيننا".
يشكل" ولادة أخرى" الجزء الأول من مشروع أوسع تعمل عليه كالاندار بعنوان" ثلاثية المنفى"، وهو مشروع مستوحى جزئياً من كتابات الكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد حول الاغتراب والانتماء والخسارة: " لم أفكر يوماً في الفيلم بوصفه عملاً مستقلاً.
المنفى واسع ومعقد جداً بما لا يمكن استكشافه بالكامل من خلال منظور واحد".
يتأمل الفيلم صورة الأب الغائب داخل مجتمع يمنحه مكانة مركزية رغم هذا الغيابتوضح أن كل جزء من الثلاثية يتناول جانباً مختلفاً من التجربة.
" ولادة أخرى" يركز على أولئك الذين بقوا خلف الهجرة، بينما يتناول الفيلم الثاني، " الحياة تقول: لا بد أن نعيش"، تجربة من غادروا وما يرافقها من شعور بالاقتلاع والمسؤولية والخوف والوحدة.
أما الجزء الثالث، الذي يحمل عنواناً مبدئياً هو" عندما تموت الأصوات الناعمة"، فسيتناول أثر المنفى في المثقفين والذاكرة الثقافية والعلاقة بين الإنسان ووطنه.
تضيف: " المنفى ليس حدثاً فردياً، بل حالة جماعية تمتد عبر العائلات والمجتمعات والأجيال.
لذلك احتجت إلى أكثر من فيلم للنظر إليه من زوايا مختلفة".
وتولّت شركة IZK Films الإنتاج الرئيسي لفيلم" ولادة أخرى" الذي صدر عام 2025، في تعاون سينمائي مشترك بين طاجيكستان، والولايات المتحدة الأميركية، ودولة قطر بدعم مؤسسة الدوحة للأفلام.
يضم طاقم الممثلين الذي جسد الأدوار الرئيسية في الفيلم كلاً من الطفلة شكرونة نافروزبيكوفا في دور البطلة باراستو، والمخرجة إيزابيل كالاندار التي شاركت ممثلة في دور الأم، إلى جانب شويرا عبد الغياث خانوفا في دور الصديقة المقربة جوليستون، وبمشاركة حسني بيغيم قالادوروفا وممدموسو ممدالييف (Mamadmuso Mamadaliev).
اختارت مؤسسة الدوحة للأفلام الفيلم ضمن مشاريعها ومنحته تمويلاً لمرحلة ما بعد الإنتاج ضمن دورة ربيع 2024.
وساهم هذا الدعم في استكمال المراحل الفنية النهائية للعمل وتهيئته للمشاركة في المهرجانات الدولية.
تقول كالاندار إن المؤسسة لعبت دوراً محورياً في مسيرتها: " عندما تقدمت للحصول على الدعم لم أكن أمتلك فهماً كاملاً للجوانب العملية لصناعة السينما.
فتح دعم مؤسسة الدوحة للأفلام أمامي أبواباً جديدة للتطوير المهني وبرامج الإرشاد في مرحلة ما بعد الإنتاج".
تضيف: " ممتنة للغاية لخليل بن كيران، مخرج ومنتج مغربي، ويشغل منصب مدير برنامج المنح والتمويل السينمائي في مؤسسة الدوحة للأفلام، الذي كان دعمه وإيمانه بالمشروع عاملين أساسيين خلال مراحل ما بعد الإنتاج ورحلة المهرجانات.
لا أعتقد أنني كنت سأصل إلى ما أنا عليه اليوم من دون هذا الدعم".
تختصر المخرجة هذه التجربة بقولها: " أدركت أن جزءا من مشهد سينمائي أوسع ينتمي إلى آسيا الوسطى.
بوسان أعطاه الاعتراف الدولي، وبيشكيك أعطاه شعور الانتماء".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك