لعلها نهاية الحرب، أو هكذا نأمل، ولكل أسبابه، رجل الشارع القلق من آثار التضخم على محفظته الواهنة، المستثمرون في أسواق الطاقة المرتبكة بعد أشهر من المواجهات العسكرية، ترامب الباحث عن انتصار يضيفه إلى سيرته الذاتية المخاتلة، ومعهم العاملون في الإعلام حتى ينفضّ السامر ونعود إلى الحدث الأجدر بالتركيز في غزّة المحاصرة قتلاً وتجويعاً، ولا يحول ذلك دون تمنّي، على طريقة" وليشهدوا منافع لهم"، قليلٍ من الراحة، خاصةً لجهة طريقة نطق اسم المضيق غربياً، فلها وقع استفزازي على الأذن غير المتقبلة لسماع ملفوظها" هرمووز" كما يقولها الرئيس الأميركي.
بالتأكيد كل ما يتمناه المرء لا يدركه، فقد تجري الرياح في هرمز بما لا تشتهيه السفن، وقطعاً ربابنتها، ومن هنا ثمة سيناريوهات لقراءة ما أُعلن عنه ووصف بـ" إطار عمل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران"، أولها ينحو باتجاه التوقيت، أو ما يمكن وصفه بـ" مشهد كأس العالم" وتفاهم يساير توقيته إلى حين، ثم إذا استنجز المعنيون من الإدارة الحالية الوعد كان فعلها مطابقاً للشطر الثاني من البيت: " كلام الليل يمحوه النهار"، وليست هذه المرة الأولى، لذا ينخرط قادة كالمستشار الألماني في التعليق على ما جرى بينما يضعون أيديهم على قلوبهم خوفاً من انتكاسة واشنطونية لها ما يبررها، فمنذ مارس/آذار الماضي جزم الرئيس الأميركي ولا أحد سواه بأن" اتفقنا على نقاط اتفاق رئيسية، بل جميع النقاط تقريباً.
أعتقد أن هذا أمر سيحدث"، وإذا لم تعجبك الصيغة السابقة، إليك واحدة ثانية في إبريل/نيسان: " اتفقت الولايات المتحدة وإيران على جميع نقاط الخلاف السابقة تقريباً، لكن فترة أسبوعين ستتيح إتمام الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ"، ما أسفر عن مادة صحافية قوامها إحصاء تلك التصريحات وقد بلغت الأربعين، وفي قول آخر 38، إلا أنها في جميع الأحوال فرادة ترامبية تذكرنا بـTrump Meter وما سواها من أدوات تتبّع وتحقّق انتعشت في عهدته الأولى وقد بلغت فيها وقائع الكذب داخلياً وخارجياً 30 ألف واقعة.
والحال كذلك، لا أحد يعرف، لا سيما في الدول العربية، ما الذي سيجري إن لم تتفق واشنطن وطهران على القضايا التي بدأت الحرب من أجلها (النووي والوكلاء والصواريخ)، ذاك أنهما لم تصلا بالحرب، وما جلبته من اشتداد الأزمة، إلى حل يطويها، وإنما تعقدت أكثر مع إضافة السيطرة على المضيق إليها، فهل بالمفاوضات يأذن ليل المنطقة بالزوال وينبلج فجرها؟ ما أعتقده أنْ لا، وإن كنت مفطوراً على التفاؤل، لكنّ حالةً من اللايقين تغيّم على قراءة كل طرف لموقعه من الأزمة، من جهة الأميركي يرى انتصاراً كاملاً، وفي مقابله يطلب استسلاماً إيرانياً على الطريقة اليابانية، فيما طهران تعتقد بصمود أسطوري شعبياً وحكومياً، ومن أجله تروم استمراراً في امتلاك المعرفة النووية Know-How، بما يقتضيه الأمر من حفاظ على يورانيوم مخصّب ومستوى يتيح لها تشغيل مفاعلاتها وآلاف من كوادرها بعد كل ما دفعته من ثمن.
هكذا يقول المشهد إن مذكرة التفاهم تشبه إعادة الصاعق إلى القنبلة، صحيح أن الانفجار توقّف مؤقتاً بإنهاء الأعمال العدائية وفتح هرمز أو هكذا يعدون ويمنّون، لكن الأداء الأميركي في الزمن الترامبي سمته الأساسية كونه غير قابل للتنبؤ، وقد ينفجر في كل وليس أي لحظة، ببساطة لأنه يخضع لاعتبارات أخطرها التخبط والإدارة وفق مبدأ" اليوم بيومه"، فتارة تصدر استراتيجية الأمن القومي داعية إلى تقليل التدخلات العسكرية، ثم في العهد ذاته نشهد كل تلك الحروب والتدخلات، ابتداء من فنزويلا، وحصار كوبا والحرب على إيران وقصف نيجيريا وقوارب المهاجرين في الكاريبي وهلم جرا، وربما بعد فتح المضيق تحتله أميركا، فتفقد إيران ورقتها الأبرز لتدخل المنطقة مرة ثانية بين مطرقة أميركا وإسرائيل وسندان طهران، فلا ضمانات حقيقية تمنع استعار الكريهة إن انهارت التفاهمات وفشل الطرفان في الوصول إلى اتفاق نووي يطمئن له قلبا ترامب ونتنياهو وكل من يمون على الإمبراطورية ويحظى بدلالها.
بطبيعة الحال لن تأمن أميركا وربيبتها إسرائيل جانب طهران وبرنامجها الصاروخي يحظى بالمزيد من الأموال والتكنولوجيا إن رفعت العقوبات، حلفاؤها أو وكلاؤها، حسب ما ترى، استعادوا قوتهم بشكل يفوق ما كانوا عليه قبل الحرب الأخيرة، حزب الله في وضع أفضل والحوثيون يلوّحون بورقة باب المندب وقد تعلم التلميذ من أستاذه، وسيطالب بنصيبه من الممر الدولي الذي يشرف عليه، ولمَ لا؟ أليس هو من يؤمّنه، هكذا سيدّعي.
ضع كل ما سبق إلى جانب امتلاك خبرة نووية ستجد من يحذر منها ويرفضها بالتأكيد بين صقور، وبالأحرى ضباع الحزب الجمهوري، فلن يرضى هؤلاء عن إيران إلا عارية تماماً من كل مصادر القوة، وإلى أن تتّبع ملّتهم يبقى الاتفاق النهائي إن حدث احتواءً مؤقتاً لطهران تصنفها واشنطن" مارقة"، وفي أحسن الأحوال هدنة طويلة الأمد قد تجد ما ومن يفجّرها في كل وقت وحين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك