يستطيع العابر بين مبنى المدرسة اليوسفية وكاتدرائية غرناطة أن يشعر بتأثيرين مختلفين، الأندلسي ومعالمه القائمة، والمعاصر الذي عرف كيف يحافظ على التراث.
تدرك في كل زيارة لغرناطة مجدداً أنها جسر بين الزمنين.
أمر السلطان الأندلسي يوسف الأول، وزيره رضوان بن عبد الله، بإنشاء مدرسة غرناطة، التي عرفت باسم" المدرسة اليوسفية"، وافتتحت في شهر محرم 750 هجرية، 1349 ميلادية، لتكون المدرسة الحكومية الأولى والمركز الملكي للتعليم العالي.
نقشت على الواجهة القديمة للمدرسة عبارة" يا طالب العلم، ها هو بابها المفتوح؛ ادخل وسترى أن بهاءها يشبه شمس النهار"، التي تُنسَب إلى الشاعر الأندلسي ابن الجياب الغرناطي، وهذه الواجهة لا أثر لها اليوم.
لكن اللوحة المنقوشة محفوظة في المتحف الأثري.
وتحتل المدرسة مكاناً استراتيجياً في قلب المدينة القديمة إلى جوار المسجد الجامع، الذي تحوّل لاحقاً إلى الكاتدرائية الحالية، خلف خان الزائدة، على بعد دقائق مشياً من سوق القيصرية، وبالقرب من نهر الدارو، ما يجعلها تقع في قلب غرناطة الديني والتجاري.
معمارياً، اتبع المبنى أسلوب بناء المدارس الإسلامية الرائج في ذلك الوقت، إذ يتكون من فناءٍ متوسط الحجم، تتوسّطه بركة ماء، وحولها الأروقة والسلالم والمرافق، من المصلى، وقاعات التدريس، وردهة الطابق الأرضي.
أما الطابق العلوي، فيضم غرف الطلبة وعدة صالات أخرى.
من المبنى الأصلي، المصلى هو العنصر الوحيد المتبقي، وأعيد اكتشافه في عام 1860، وهو يتصل بفناء المبنى عبر قوس مزخرف، ينهض على أعمدة رخامية عريضة، وفضاؤه المربّع يأخذ شكل المثمن بمساعدة مقرنصات تأخذنا إلى عمارة قصر الحمراء الذي يبعد مسافة عشر دقائق مشياً عن المدرسة، وتحديداً على غرار مقرنصات قاعة السفراء في القصر.
السقف الخشبي الحالي ليس أصلياً، إذ اندلع حريق دمر السقف القديم في القرن التاسع عشر، وأعيد ترميمه تبعاً لأساليب تلك الفترة.
كانت المدرسة اليوسفية في مملكة بني نصر الغرناطية أشبه بمراكز الدراسات العليا حالياً، وكان يدرس فيها العلوم، والفقه، واللاهوت، واللغات، والآداب، والهندسة، وتستقبل الطلبة الوافدين من الممالك الأخرى.
وشهدت المدرسة تفاعلاً علمياً وفكرياً بارزاً، إذ ارتبط بها عدد من كبار علماء ذلك العصر، مثل الطبيب والفقيه ابن هذيل الطيبي، واللغوي والأديب ابن جزي الكلبي، والشاعرين ابن الخطيب وابن زمرك، اللذين جمعا بين الشعر والسياسة والفكر.
وجعلت هذه الحركة الفكرية والأدبية والشعرية التي رعتها المدرسة من غرناطة مركزاً للإبداع العلمي والإنساني في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، فضلاً عن كونها جسراً للتواصل بين الغرب والشرق.
سقطت مدينة غرناطة في عام 1492، واستمرت المدرسة لفترة قصيرة في القيام بوظيفتها التعليمية، لكن تحت إشراف رئيس الأساقفة هرناندو دي تالافيرا، الذي اتبع سياسة متسامحة.
لكن التحولات الدينية والسياسية التي عصفت بالمدينة فرضت نفسها بقوة، لتحترق مكتبة المدرسة بعد اضطرابات حي البيازين.
في عام 1500، تحوّل مبنى المدرسة إلى مقر للمجلس البلدي بسبب موقعه المركزي الذي يتوسط المدينة، لتدخل مرحلة جديدة تغيرت معها ملامح البناء الأصلية، فضلاً عن تغيّر وظائفه، خصوصاً مع تحوله إلى مركز للإدارة والحكم المحلي.
خضع المبنى لعمليات توسيع، إذ ضم منزلاً مجاوراً لإنشاء محكمة المدينة، وقاعة" الفرسان الأربعة والعشرون"، وهي القاعة التي كانت تعقد فيها اجتماعات أعضاء المجلس البلدي والنخب الحاكمة، كذلك أُجريت إصلاحات إضافية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، شملت أبواب المصلى، وزيادة مساحة الساحة المجاورة للمبنى.
بين عامي 1720 و1729، تعرض المبنى لعمليات إعادة تشكيل شاملة، يمكن اعتبارها الأكبر في تاريخه، ما منحه الصورة الحالية ذات الطابع المعماري الباروكي القشتالي، وهو الذوق الفني والمعماري الذي ساد في إسبانيا خلال تلك الفترة.
عندها اختفى المدخل الأصلي، وتحوّل المبنى إلى قصر قشتالي كلاسيكي، يقوم حول فناء مركزي تحيط به أعمدة رخامية متعددة، وتتوزع حولها غرف وقاعات إدارية، بينما تتصل طوابقه بدرج مزخرف.
أما الواجهة الخارجية، فقد صممت بأسلوب يحاكي الرخام الأسود وزخارف تجمع بين العناصر النحتية والتصويرية لفن الباروك.
في منتصف القرن العشرين، قاد المعماري الإسباني فرانسيسكو مورينو رحلة استعادة الذاكرة التاريخية للمبنى، عبر ورشة ترميم ودراسات أثرية، واستكمل العمل بعده بيدرو سالميرون.
وكشفت الحفريات عن بقايا معمارية تعود إلى القرن الحادي عشر، من بينها منازل قديمة، ومطحنة، وبركة ماء.
بداية من عام 1976، أصبح مبنى المدرسة اليوسفية مقراً تعليمياً تابعاً لجامعة غرناطة، وهو يحتضن حالياً الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة، ومؤسسة أيالا، ويحتضن معارض وندوات ومحاضرات أكاديمية، وأمسيات شعرية وموسيقية، فضلاً عن معارض وأنشطة مرتبطة بالتراث الأندلسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك