توصلت واشنطن وطهران إلى" اتفاق" أو" مذكّرة تفاهم"، سيجري التوقيع عليها بعد أيام.
تفاهمٌ يمهّد لأرضية أوسع تُفضي إلى نهاية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في غضون 60 يوماً.
نحن أمام حرب لا تشبه غيرها، فأميركا اليوم ليست نفسها التي شنّت حربَي أفغانستان والعراق، ويبدو أنّ صانع القرار في البيت الأبيض استوعب الدرس جيّداً، فهذه الدولة التي تقود النظام العالمي تتعلّم من أخطائها ولا تفرّط في البقاء حبيسة الخطط والمشاريع نفسها، فما تحقّق في الحربَين السابقتَين ليس بالضرورة قابلاً للتكرار في الحالة الإيرانية.
استراتيجياً، ليس المطلوب أميركياً إسقاط النظام في طهران، بل يكفي تقليم أظافره الخشنة وتحجيم نفوذه الإقليمي، مع الإبقاء على هيكل النظام نفسه.
يفسّر هذا التوجه، إلى حدّ كبير، الرغبة الأميركية الصارمة في عدم الانجرار إلى أتون حرب واسعة ومفتوحة ضدّ إيران.
ومعلوم أنّ واشنطن، إبّان حقبة دونالد ترامب، هدّدت مراراً وتكراراً بتدمير البنى التحتية الإيرانية، غير أنّ ترامب كان يتراجع في اللحظات الأخيرة، مستعيضاً عن الآلة العسكرية بحصار بحري واقتصادي خانق، أغلق من خلاله شريان إيران التصديري ورئتها النفطية في الخليج العربي، إذ رأت" أميركا العميقة" في هذا الخيار قدرةً على إنهاك النظام وتطويعه، تفوق بكثير جدوى الضربات العسكرية الخاطفة.
لا تلبي مذكّرة التفاهم طموحات نتنياهو الذي يرى أنّ التهديد الإيراني ينتهي بسقوط النظاملا تحبّذ مؤسّسات الدولة العميقة في الولايات المتحدة الدخول في مواجهات مفتوحة مع نظام متجذّر يصعب إسقاطه بالصواريخ والمسيّرات والقصف الجوي، جلّ ما تريده صياغة نظام منسجم مع مصالحها، والسيطرة على تدفّقات النفط الإيراني (رغبة لم يخفها ترامب قط)، ولكن ليس بالضرورة عبر فوّهات المدافع؛ فالضغط الاقتصادي وسلاح العقوبات إن حقّقا الغاية، فما المنفعة من مغامرة عسكرية غير مأمونة العواقب؟ليس جديداً القول إنّ أميركا تتحرّك بوحي من مصالحها الصرفة، وليس دقيقاً الزعم إنّها خاضعة بالكامل للرغبات الإسرائيلية.
واشنطن تسعى إلى أن يكون القرن الحادي والعشرون قرناً أميركياً بامتياز بلا منازع، والمنافس الحقيقي هنا هو الصين، في حين تمثّل إيران إحدى الرئات الاستراتيجية التي تتنفّس من خلالها بكين في المنطقة.
أمّا الملفّ النووي، والصواريخ الباليستية، والأذرع الإقليمية، فما هي إلا ذرائع وأوراق ضغط تجيد أميركا توظيفها، ويمكنها اختراع غيرها إذا ما اقتضت الحاجة الحيوية إلى ذلك.
لا يبدو أن هذا الاتفاق الإطاري، أو مذكّرة التفاهم المُرتقبة، في أيّ حال، تلبّي طموحات نتنياهو، الذي يرى أنّ التهديد الإيراني لا ينتهي إلا بسقوط النظام في طهران، فلا ثقة لدى تل أبيب به، حتّى لو قلّمت أظافره، إذ يمتلك من المقوّمات الأيديولوجية والجيوسياسية ما يمكّنه من العودة إلى سيرته الأولى فور التقاط أنفاسه.
بالتالي، ليس سرّاً أنّ إسرائيل ستسخّر أدواتها واختراقاتها الأمنية (تعرفها أميركا جيّداً) لتخريب هذا المسار الدبلوماسي وإجهاضه.
وفي هذا المربّع، لا مجال للمفاضلة لدى واشنطن، فأمن إسرائيل كان (وما يزال وسيبقى) خطّاً أحمرَ لا يمكن تجاوزه، ولنا في التاريخ القريب شواهد، فعراق صدّام حسين، الذي ارتكب خطيئة غزو الكويت عام 1990، كان يمكن استمرار نظامه لو أنّه لم يرتكب ما عُدَّ خطيئةً أشدّ فداحةً بقصفه إسرائيل عام 1991.
صحيحٌ أنّ حصار التسعينيّات الجائر قد أنهك العراق وجرّده من مصادر قوّته، لكن إصرار بغداد وقتها على ربط مفاوضاتها السرّية والعلنية بالملفّ الفلسطيني، أفقد إسرائيل، ومن خلفها أميركا، الثقة بإمكانية التعايش مع النظام، فكان القرار الحتمي الذي لا مفرّ منه بإنهاء النظام عام 2003 تحت ذرائع شتى، بدأت بأسلحة الدمار الشامل ولم تنتهِ بمحاولة ربطه بهجمات 11 سبتمبر (2001).
الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة واليورانيوم المخصب من بين ملفّات مؤجلة، ستكون صواعق قابلة للانفجار، وتصلح لأن تكتب بداية جولة حرب أشدّ ضراوةً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك