يترقّب لبنان الجولة الخامسة من المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن، ونتائج إعلان الاتفاق الأميركي - الإيراني في مسار إسلام آباد، خصوصاً بعد ما أبلغته إيران أنّ وقف إطلاق النار يشمل جميع الجبهات، في مذكّرة تفاهم تنعكس على الوقائع والموازين السياسية والعسكرية في الداخل اللبناني، ما يعيد التأكيد على نجاح سعيها إلى ربطه بمحادثاتها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إلا أنّ لبنان الرسمي يصرّ على مبدأ التفاوض بذاته، وتثبيت دور الدولة مرجعيةً في إدارة مسار تفاوضي مستقلّ عن أيّ ترتيبات إقليمية يكون فيها مسرحاً لـ" حروب الآخرين"، وبعيداً من تجاذبات جغرافية متعدّدة الأوجه في توظيف الاتّفاق العام، قد تُضعف سلطاته من خلال طرح مشاريع نفوذ جديدة، وتكرار تجربة النظام السوري السابق، بدل التركيز على دعم الدولة ومؤسّساتها واحترام الدستور واتفاق الطائف.
إعلان الاتفاق الأميركي - الإيراني يفتح تساؤلات عمّا إذا كان ينبغي للبنان فتح حوار موازٍ مع إيرانوتستمرّ إسرائيل في محاولة تغيير الوضع عند" حدودها" الشمالية في ظلّ التوصّل إلى التهدئة ووقف القتال مع إيران، كما في تفاهمات عام 2006 وقرار مجلس الأمن 1701.
ويتمثّل هذا في استمرار التفجيرات الضخمة على الأرض في ظلّ" هدنة غريبة" تحتفظ فيها" بحرّية التصرّف" ضدّ حزب الله، وتكريس الوضع الجديد أمراً واقعاً تحت عنوان" السيادة الأمنية".
إنّها حرب الجغرافيا والديموغرافيا، حتّى لو كان القرار في هذا المجال لواشنطن في مفاوضات ضاغطة وصارمة، لا تقلّ عن قسوتها على الأرض.
قد تكون المفاوضات المباشرة نجحت في إبطاء الحرب نوعاً ما، وسمحت بعودة أهالي الضاحية الجنوبية لبيروت، وبإبقاء مطار رفيق الحريري الدولي مفتوحاً في فصل الصيف، ومنعت المجتمعَين الدولي والعربي من أن يفقدا اهتمامهما بالملفّ اللبناني في مقابل صورة ساعات من التفاوض في واشنطن، على أمل أن يتمكّن لبنان من وقف الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلّها، وفق الاقتراح اللبناني العامّ في إقامة مناطق تجريبية آمنة وانسحاب متدرّج، باعتباره أحد المخارج الممكنة.
وعندها، يمكن أن تبدأ إعادة الإعمار.
لكنّ إعلان الاتفاق الأميركي - الإيراني يفتح الآن تساؤلات عمّا إذا كان ينبغي على لبنان فتح حوار موازٍ مع الجانب الإيراني، لكن ليس قبل تحوّله جذرياً واحترامه سيادة الدولة وسلطتها وعدم التطاول على مسؤوليها، والضغط على حزب الله لإعطاء الدولة ورقةً في مفاوضاتها لجهة الموافقة المبدئية على تسليم سلاحه، أو وضعه في إطار سياسي داخلي عام.
لذلك، هناك رعب لدى لبنان الرسمي من" صفقة سيئة" تتركه معزولاً مجدّداً وأسير ملفّات أخرى.
وليس طموحاً حقيقياً أن يدخل لبنان في محاور جديدة، أو أن يستبدل وصاية بأخرى، وألّا يأخذ درساً من تجاربه الطويلة والمكلفة، وأن يبني دولةً قويةً تحتكر وحدها السلاح في الطريق الشاقّ لإحلال السلام في البلاد مرّةً واحدةً.
في لبنان أوهام محزنة بأن يكون البلد بمعزل عن هذا النوع أو ذاك من الاحتلال أو الوصاية من دون أيّ وسيلة حماية لمقاومة عدوّ غير حضاري يعمل منهجياً على التجزئة والتقسيم والتفرقة.
مع هذا، لا مناص للبنان من الاستمرار في مفاوضات تمنحه مادّةً إعلانية للفصل بين المسارين، مع أنّ ثمّة اتجاهاً سياسياً يرفضها أساساً، وآخر يدعو إلى الانسحاب منها.
ويشير المتحدّثون باسم حزب الله إلى السلطة التي يجسّدها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء القاضي نوّاف سلام، ويتّهمونها بالعجز السياسي، مشكّكين في الدبلوماسية وبأنّها لن تتمكّن من احتواء الاحتلال الإسرائيلي.
ويعمل الحزب بشكل منهجي على نزع شرعية السلطة الرسمية من خلال الدعوة إلى رفض المفاوضات المباشرة، ما يسمح له بتجديد شرعيته بوصفه مشروع مقاومة ضدّ المحتلّ وضدّ دولة متّهمة بالتخلّي عن واجباتها.
بينما تبعث إسرائيل رسائل مفادها أنّها" تريد السلام مع الشعب اللبناني"، لكنّ هذه الحجّة لا تصمد، فإذا كان حزب الله هو العدوّ الوحيد، فلماذا تُدمِّر القرى والمدن بأكملها، ولماذا تُدمِّر كلّ شيء حتّى المقابر؟يفكّر اللبنانيون بشكل متزايد في الاستقرار، وهم منهكون حتّى العظم.
لقد خسروا مدَّخراتهم المالية، ويعانون انهيار الخدمات العامّة، والهجرة التي لا رجعة فيها.
وهم يعيشون في مجتمعات مختلفة ومتناقضة، إذ من المُروِّع رؤية بعضهم ينظرون بعين الرضا إلى احتلال يخلّصهم من مغامرات حزب الله العسكرية، ويريدون توقيع اتفاق سلام في عهد بنيامين نتنياهو، أملاً بأن يتيح لهم ذلك العيش باستقرار في مناطق لا يوجد فيها الحزب وتعيش حياةً شبه عاديّة، في مقابل مجتمعات أخرى تعاني نيران القصف والقتل والنزوح، ومهدَّدةً بخطر تحوّل الجنوب إلى جولان جديد، لن يتحمّل سكّانه سنوات أخرى في الانتظار، وقد بدأوا فوراً بالعودة إلى أراضيهم فور الإعلان عن وقف إطلاق النار رافعةً مدنيةً لإرغام العدوّ على الانسحاب من المناطق التي توغّل فيها.
لا مناصّ للبنان من استرجاع السيادة الكاملة عبر حوار سياسي مع المكوّن الشيعي، من دون الانتظار السلبي لحلول تأتي من الخارج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك