لكل أمة تقويمها الخاص.
التقويم ذاكرة أمة ووعاء عبادة ورمز وحدةاليوم هو الأول من محرم لعام 1448 للهجرة، ومع بداية عام هجري جديد تتجدد مناسبة تدعونا إلى التأمل في أحد أهم رموز هوية الأمة الإسلامية: التقويم الهجري.
فالتقويم ليس مجرد وسيلة لحساب الأيام والشهور، بل جزء من ذاكرة الأمم وهويتها الحضارية.
وكما أن لكل أمة لغتها ورموزها، فإن لها أيضا تقويمها الذي يعبر عن تاريخها ومحطاتها الكبرى.
وقد عرفت البشرية تقاويم متعددة، بينما أصبح التقويم الميلادي الأكثر انتشارا عالميا بحكم التطورات العلمية والاقتصادية والإدارية.
التاريخ الهجري يتمتع بدرجة عالية من الثبات والاستمرارية عبر القرون، وقد ظهرت اجتهادات تدعو إلى تطوير تقويم هجري موحد وثابت يسهل التعاملات والتخطيط طويل المدىاختار المسلمون الهجرة النبوية بداية لتاريخهم عندما احتاجت الدولة الإسلامية إلى تأريخ رسمي للأحداث والمعاملات.
ولم يقع الاختيار على مولد النبي ﷺ أو بعثته أو وفاته، بل على الهجرة؛ لأنها مثلت نقطة التحول الكبرى في مسيرة الإسلام، إذ انتقل المسلمون من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة، فأصبح التاريخ الهجري مرتبطا بمعاني الإيمان والعمل والبناء الحضاري.
ويرتبط هذا التقويم بالدين ارتباطا وثيقا؛ قال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض﴾.
ولذلك تقوم عليه عبادات وأحكام كبرى مثل الصيام والحج والأشهر الحرم والعدة وغيرها، كما أن دورانه بين فصول السنة يحقق العدالة بين الأجيال والبلدان.
ولكل تقويم وظيفته؛ فالتقويم الشمسي هو الأنسب للفصول والزراعة والأنشطة الاقتصادية والإدارية، بينما يرتبط التقويم القمري بالدورات القمرية والشعائر الإسلامية.
وقد جمع القرآن بينهما بقوله تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾.
من أبرز ما يميز التقويم الهجري ارتباطه المباشر بحركة القمر، تلك الآية الكونية التي يشاهدها الناس جميعا.
كما أن التاريخ الهجري يتمتع بدرجة عالية من الثبات والاستمرارية عبر القرون، وقد ظهرت اجتهادات تدعو إلى تطوير تقويم هجري موحد وثابت يسهل التعاملات والتخطيط طويل المدى.
وتقوم بعض هذه التصورات على قاعدة حسابية تجعل الشهور الفردية ثلاثين يوما، والشهور الزوجية تسعة وعشرين يوما، مع إضافة يوم في بعض السنوات الكبيسة، بما يسهم في التوثيق والأرشفة واستشراف التواريخ المستقبلية.
التقويم الهجري ليس مجرد تاريخ، بل ذاكرة أمة، ووعاء لشعائر الدين، ورمز من رموز الهوية والوحدة الحضارية للمسلمينكما يرى كثير من المختصين أن ولادة القمر حدث فلكي عالمي يقع في لحظة واحدة بالنسبة إلى الأرض كلها، وأن التقدم الكبير في علوم الفلك والرصد الفضائي أتاح دقة عالية في معرفة بدايات الأشهر القمرية، مما يفتح المجال لتقليل الاختلافات المتكررة بين الدول الإسلامية في إعلان دخول الشهور.
من هنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به المنظمات الإسلامية الدولية، والمجامع الفقهية، والهيئات الفلكية المتخصصة، في جمع العلماء والخبراء للوصول إلى رؤية مشتركة تستفيد من المراصد الحديثة والأقمار الصناعية والحسابات الدقيقة، بما يعزز وحدة المسلمين ويسهل أعمال التخطيط والتوثيق والتعاملات المشتركة.
لعل توحيد التقويم الهجري لا يمثل قضية فنية فحسب، بل يحمل بعدا حضاريا ورمزيا مهما؛ لأنه يعزز شعور المسلمين بوحدة الزمن والمناسبات والشعائر التي تجمعهم.
ويبقى من أجمل ما في التقويم الهجري أنه يربط الإنسان بالسماء مباشرة.
فالهلال الذي نراه اليوم هو نفسه الذي كان يراه المسلمون قبل أكثر من أربعة عشر قرنا.
تتغير الدول والحضارات، ويبقى القمر شاهدا على وحدة الزمن واستمرار الرسالة وتعاقب الأجيال.
فالتقويم الهجري ليس مجرد تاريخ، بل ذاكرة أمة، ووعاء لشعائر الدين، ورمز من رموز الهوية والوحدة الحضارية للمسلمين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك