رغم أن وضع ساق فوق الأخرى قد يمنح شعورا بالثبات والراحة أو يوحي بالاهتمام والثقة والسيطرة، فإن كثيرا منا تعرّض في طفولته لتوبيخ حاد بسببها، ضمن مجموعة من التعليمات التي يُعتقد أنها تتعلق" بالتهذيب والانضباط"، قبل أن تتحول مع الوقت إلى ما يشبه" حقائق طبية".
هكذا يكتب ثلاثة من أساتذة العلاج الطبيعي بجامعة سيدني للتكنولوجيا، في مقال حديث على موقع" ذا كونفرسيشن"، متسائلين: هل وضع ساق فوق الأخرى ضار حقا؟list 1 of 4الشتاء خطر صامت.
نصائح أساسية لحماية قدم مرضى السكريlist 2 of 4لماذا لا ينبغي لبعض الأشخاص الجلوس بوضعية التربيع؟list 3 of 4سحر القدم اليسرى.
لماذا يهيمن" الأعسر" على عبقرية كرة القدم؟list 4 of 4أكاديمية بارادو.
منجم الأقدام الحافية وصانعة مواهب الجزائرلماذا ترفض بعض الثقافات وضع ساق فوق الأخرى؟في كثير من المجتمعات الغربية ارتبطت الساقان المتقاطعتان بالأنوثة والأناقة والتحفظ، لكن ما يعد راقيا في ثقافة ما يمكن أن يكون مسيئا في ثقافة أخرى.
في عدد من البيئات الشرقية أو التقليدية مثلا، يُنظر إلى الجلوس واضعا ساقا فوق الأخرى أمام الكبار على أنه قلة احترام، ويمكن أن تفسر ذلك ثلاثة عوامل رئيسية:في اليابان مثلا لم يكن الكرسي جزءا أصيلا من نمط الحياة، فالأرض تُفرش بحصائر التاتامي، وما تزال" غرفة التاتامي" حتى اليوم مساحة مشتركة تُمارس فيها أنشطة العمل وشرب الشاي والتواصل الاجتماعي على الأرض، وهو ما يجعل وضع الساق فوق الأخرى على كرسي وضعية غريبة ومرفوضة ثقافيا.
في بلدان عربية وآسيوية عدة يعد إظهار باطن الحذاء إشارة مسيئة، ووضع ساق فوق الأخرى يجعل هذا الباطن في مواجهة الآخرين مباشرة.
التحذيرات الصحية المتوارثةمن نوع" اجلس بشكل صحيح" و" لا تضع ساقا فوق الأخرى، ستؤذي ظهرك أو ركبتيك" و" ستصاب بدوالي الساقين"، وهي نصائح تتكرر داخل الأسرة والمدرسة دون أن تستند بالضرورة إلى دليل علمي.
هل وضع ساق فوق الأخرى ضار؟يقول برونو تيروتي ساراجيوتو، أستاذ العلاج الطبيعي المساعد بجامعة سيدني للتكنولوجيا، إنه" لا يوجد دليل يذكر على أن الجلوس مع وضع ساق فوق الأخرى يضر بالظهر أو يرهق الوركين أو الركبتين، أو يسبب دوالي الساقين"، استنادا إلى مراجعة منهجية نُشرت عام 2021 تناولت آلام الجهاز العضلي الهيكلي وسلوك الجلوس والخمول.
ويشرح أن المشكلة لدى كثيرين تكمن في" الخلط بين الشعور بعدم الراحة وبين الضرر الفعلي".
فالبقاء في هذه الوضعية مدة طويلة قد يسبب شعورا بالتيبس أو الانضغاط أو الرغبة في الحركة، فيفترض الشخص أن جسده يتعرض للضرر، بينما يكون الأمر في الغالب مجرد إشارة طبيعية من الجسم إلى أنه حان وقت تغيير الوضعية، لا علامة على تلف أو إصابة.
هذا يتماشى مع" الفكر الحديث حول الوضعية والألم"، الذي يستبعد وجود وضعية جلوس واحدة مثالية للجميع، ويرى أن الأهم هو التنويع في الوضعيات والحركة، بحسب مقال بحثي نُشر في مجلة العلاج الطبيعي لتقويم العظام والرياضة عام 2019.
بحسب جوشوا بايت ومارك أوفرتون، وهما محاضران في العلاج الطبيعي بالجامعة نفسها، غالبا ما تُصنف وضعية" الساق فوق الأخرى" ضمن" الوضعيات السيئة" التي يظن أنها تلتف بالعمود الفقري وتلحق به الضرر، لكن الأبحاث لم تعثر على" وضعية جلوس مثالية واحدة تحمي الجميع"، ولا على وضعية جلوس يومية واحدة تسبب الأذى وحدها.
في دراسة نشرت عام 2012 طلب من اختصاصي علاج طبيعي من دول عدة اختيار" أفضل وضعية جلوس" للعمود الفقري، فجاءت إجاباتهم متباينة بدرجة لافتة، مما دفع الباحثين إلى القول إن تصوراتنا عن" الوضعية المثالية" تتشكل بفعل التقاليد والثقافة المهنية بقدر ما تتأثر بالأدلة العلمية، وأن الظهر في الأصل" قوي ومرن ومصمم لتحمل طيف واسع من الوضعيات".
مرة أخرى، يشير الباحثان إلى أن المشكلة لا تكمن غالبا في نوع الوضعية، بل في البقاء في وضع واحد لفترة طويلة، سواء كان ذلك جلوسا متربعا أو منتصبا تماما أو منحنيا على جهاز الحاسوب المحمول.
هل يرهق وضع ساق فوق الأخرى الوركين والركبتين؟من الاتهامات الشائعة أيضا أن وضع ساق فوق الأخرى" يرهق الوركين أو الركبتين".
لكن مراجعة الأدبيات العلمية المتاحة تشير إلى عدم وجود دليل واضح على أن هذه الوضعية تسبب التهابا أو تلفا في المفاصل.
صحيح أن تقاطع الساقين يغير زوايا المفاصل لفترة محدودة، لكنه لا يعرّضها عادة لقوى استثنائية، فالوركان والركبتان يتحملان في الحياة اليومية قوى أعلى بكثير من تلك التي تنشأ عن الجلوس بهذه الطريقة، سواء عند صعود الدرج أو النهوض من الكرسي أو الجري أو القفز أو حمل أكياس التسوق.
أبحاث أجريت عام 2023 حول تأثير أوضاع الجلوس المختلفة في المفاصل على المدى الطويل خلصت إلى أن الدراسات المتاحة قليلة والأدلة" غير قاطعة"، ولا تدعم النصائح القديمة التي تحذر من وضع ساق فوق الأخرى.
في المقابل، تركز الإرشادات الطبية المحدثة على:الحفاظ على نشاط بدني منتظم.
تقوية العضلات المحيطة بالمفاصل.
إدارة الحمل على المفاصل خلال العمل والرياضة.
لا على تجنب" عادة جلوس" بعينها.
دوالي الساقين.
من المسؤول الحقيقي؟تتهم النصائح المتوارثة وضع ساق فوق الأخرى بأنه سبب في دوالي الساقين، لكن الأبحاث تشير إلى أن العوامل الأهم في ظهور دوالي الأوردة هي:بعض المهن التي تتطلب الوقوف لفترات طويلة.
قد يغير الجلوس مع وضع ساق فوق الأخرى تدفق الدم في الساقين مؤقتا، لكن ذلك لا يعني أنه يسبب دوالي الأوردة.
الدراسات المتاحة حتى الآن لا تدعم اعتبار هذه العادة سببا مباشرا للدوالي، مقارنة بعوامل الخطر المعروفة.
متى يُنصح بتجنب هذه الوضعية؟رغم الصورة المطمئنة عموما، هناك حالات خاصة يوصي فيها الأطباء بتجنب وضع ساق فوق الأخرى لفترة زمنية محدودة، مثل بعض حالات جراحة استبدال مفصل الورك، حيث يُنصح المريض أحيانا بعدم تقاطع الساقين في الأسابيع الأولى بعد العملية حتى تلتئم الأنسجة.
حتى هنا، تشير أبحاث حديثة إلى أن بعض هذه القيود قد تكون مبالغا فيها بالنسبة لكثير من المرضى، وأن تخفيفها لم يرفع في إحدى التجارب من خطر حدوث خلع مبكر للمفصل الصناعي.
كما قد ينصح الطبيب بتجنب بعض وضعيات الجلوس في حالات أخرى، لحماية منطقة حساسة أو لتخفيف الألم، لكن هذه توصيات فردية لا تعني أن وضع ساق فوق الأخرى" ضار للجميع" أو أنه عادة ينبغي اجتنابها بشكل مطلق.
جسمك أقل هشاشة مما تعتقد.
لكن تحرك أكثريخلص الباحثون إلى أن أجسامنا قادرة على التكيف مع طيف واسع من وضعيات الجلوس والحركة، وأن تنويع الحركة أهم من مطاردة وضعية مثالية واحدة.
بمعنى آخر، يمكنك أن تجلس واضعا ساقا فوق الأخرى أو متربعا أو مفردا ساقيك أو منحنيا قليلا إلى الخلف، ما دمت لا تبقى في الوضعية نفسها لساعات طويلة دون حركة.
انهض بين الحين والآخر، غيّر وضع جسدك، تمش قليلا، وعد إلى العمل أو الحديث.
فـ" وضعية الجلوس الأكثر صحة غالبا هي تلك التي لا تبقى عليها طوال الساعة التالية"، كما يلخص باحثو العلاج الطبيعي.
والرسالة الأهم التي يوجهونها هي أن جسمك على الأرجح أقل هشاشة مما تعتقد: لا تجعل الخوف من وضعية جلوس بعينها يقودك، بل دع الحركة والتنوع يقودان طريقة جلوسك ونهارك بأكمله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك