من خلال متابعتي، وشأني كثيرون، لمجريات الأحداث التي عصفت بالمنطقة عموماً، وبالوضع الكوردي خصوصاً، خلال أقل من عام، قد تكون هذه من النوادر التي يواجه فيها الكورد في أجزاء كوردستان الأربعة لحظةً سياسية وإقليمية بالغة التعقيد كتلك التي يواجهونها اليوم.
فالتحديات التي كانت تتوزّعُ في السابق بين دولة وأخرى تبدو اليوم وكأنها تتقاطع في لحظة واحدة حرجة ومتسارعة، بما يجعل القضية الكوردية برمّتها أمام اختبار جديد يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية لكلّ ساحة على حدة.
في سوريا، أدت الضغوط السياسية والدولية خلال الأشهر الماضية إلى الدفع نحو دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن هياكل الدولة الجديدة، وتشجيع الكورد عموماً على الانخراط في مؤسسات الدولة والعملية السياسية خلال المرحلة الانتقالية.
وفي العراق، تتصاعد النقاشات المتعلقة بمستقبل العلاقة بين بغداد وإقليم كوردستان، وصلاحيات الإقليم، وآليات توزيع الثروات، وموقع قوات البيشمركة ضمن المنظومة الأمنية العراقية.
أما في تركيا، فما تزال المسألة الكوردية تدور ضمن معادلات أمنية وسياسية معقدة، رغم التحولات التي شهدتها البلاد بعد انطلاق مسار جديد لعملية السلام، بدعم الرئيس أردوغان، وزعيم الحركة القومية دولت باخجلي، وزعيم حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان.
وفي إيران، تأتي الحرب الأخيرة والتوترات الداخلية لتعيد طرح الأسئلة القديمة حول موقع الكورد ومستقبل مطالبهم السياسية في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
قد تبدو هذه الملفات منفصلة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تعكس تحوُّلاً أوسع يجري على مستوى المنطقة بأكملها.
فبعد سنوات طويلة شكّل خلالها الكورد حجر أساس في معادلة الاستقرار التي احتاجتها الولايات المتحدة وحلفاؤها خلال الحرب على تنظيم داعش، يبدو اليوم أن واشنطن باتت تنظر إلى المرحلة الجديدة من زاوية مختلفة، عنوانها إعادة بناء الدول، وحصر السلاح في إطار مؤسسة عسكرية مركزية واحدة، وتعزيز سلطة مؤسسات الدولة.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت ضد الكورد، كما لا يعني أنّها كانت يوماً معهم بمعزل عن مصالحها، لكنه يعني أن البيئة السياسية التي تحرّكت فيها القضية الكوردية خلال العقد الماضي بدأت تتغير.
ومن هنا يمكن فهم كثير من التصريحات والمواقف المتعلقة بسوريا والعراق باعتبارها تعبيراً عن ميل دولي وإقليمي لإعادة تعريف أولويات المنطقة، وليس مجرّد تحوُّل في الموقف الأمريكي من الكورد أو تخلياً عنهم.
لا بد من الإشارة إلى أن قراءة المشهد الكوردي باعتباره وحدةً متجانسةً قائمة على التاريخ والجغرافيا تنطوي على كثير من التبسيط.
فلكل ساحة كوردية شروطها الخاصة وتوازناتها المختلفة.
فالكورد في العراق يمتلكون تجربة دستورية ومؤسساتية راسخة نسبياً داخل دولة اتحادية، بينما يخوض كورد سوريا تجربة ناشئة ما تزال تبحث عن صيغة قانونية وسياسية مستقرّة داخل دولة يعاد تشكيلها.
أما كورد تركيا، فيتحركون ضمن إطار دولة مركزية قوية ومؤسسات مستقرة نسبياً، في حين يواجه كورد إيران بيئة سياسية أكثر انغلاقاً وتعقيداً.
لذلك، فإن ما يصلح لإدارة العلاقة مع بغداد لا يمكن نسخه في دمشق، وما يمكن طرحه في أنقرة قد لا يكون ممكناً في طهران.
غير أن اختلاف السياقات لا يلغي وجود مصالح كوردية مشتركة، بل يجعل الحاجة إلى تنسيق الرؤى أكثر إلحاحاً.
وباعتقادي، يبدأ التحدّي الأول أمام الكورد بإدراك أن ما تحقق خلال السنوات الماضية من مكتسبات، على أهميته، لا يكفي وحده لحماية المستقبل.
فالمرحلة المقبلة تتطلب تفكيراً مختلفاً يقوم على بناء رؤية استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافية الحزبية والسياسية الضيقة.
فالتحوُّل الجاري لا يتعلق فقط بمصير إقليم كوردستان أو مستقبل الكورد في سوريا، بل يتعلق بموقع القضية الكوردية نفسها ضمن الأولويات والترتيبات الجديدة التي تتشكل في المنطقة.
على امتداد عقود طويلة، تمحور الخطاب الكوردي حول" ثالوثه المقدس قومياً": الهوية، والحقوق القومية، والاعتراف السياسي.
وهي مطالب مشروعة ماتزال تحتفظ بأهميتها.
لكن التحوُّلات الحالية تفرضُ إضافةَ عناصرَ جديدةٍ إلى هذا الخطاب، فالعالم لم يعد ينظر إلى القضايا القومية بالطريقة نفسها التي كان ينظر إليها قبل عقود.
ولنا في ذلك تجربة إقليم كوردستان في السابع عشر من أكتوبر، وتجربة الإدارة الذاتية في سوريا.
كما أن القوى الدولية أصبحت أكثر اهتماماً بالاستقرار والتنمية والحكم الرشيد والشراكات السياسية القابلة للحياة.
لذلك، فإن نجاح القضية الكوردية في المرحلة المقبلة لن يتوقف فقط على عدالة مطالبها، بل أيضاً على قدرتها على تقديم نفسها بوصفها جزءاً من مشروع للاستقرار والديمقراطية والتنمية في المنطقة.
وبعبارة أخرى، لم يعد كافياً أن يقول الكورد إنهم أصحاب قضية عادلة، بل أصبح مطلوباً منهم أن يكونوا جزءاً من الحلول التي تبحث عنها القوى الدولية والإقليمية.
يطرح هذا التحول أسئلةً عمليةً تتعلّق بحدود قدرة القوى الكوردية على التكيُّف مع مرحلة إعادة بناء الدولة.
فهذه القوى راكمت خبرات واسعة في إدارة مناطقها ومؤسساتها، لكنها تواجه تحدياً مختلفاً يتمثل في الانتقال من منطق الإدارة الذاتية أو الشراكة الأمنية إلى منطق الشراكة السياسية والدستورية المستدامة داخل الدولة الوطنية.
وتبدو فرص التكيف متفاوتة بين الساحات المختلفة.
فالكورد في العراق يمتلكون هامشاً أكبر بفضل الإطار الدستوري الاتحادي، رغم استمرار الخلافات مع بغداد.
أما في سوريا، فإن نجاح الكورد سيعتمد إلى حدّ كبير على قدرتهم على تثبيت حقوقهم دستورياً.
والسيناريو الأكثر ترجيحاً في العراق لا يبدو متجهاً نحو تقليص جوهري لوضع الإقليم، بل نحو إعادة تفاوض مستمرة حول الصلاحيات والموارد والعلاقة بين المركز والإقليم.
أما في سوريا، فمن المرجح أن تتجه العلاقة بين الكورد والدولة نحو صيغة توافقية إدارية وسياسية محدودة وغير تصادمية، ضمن دولة موحدة ذات سلطة مركزية أقوى مما كانت عليه خلال سنوات الحرب.
وهذا يقود، من وجهة نظري، إلى تحدٍّ آخرَ لا يقلُّ أهمية، يتمثل في الحاجة إلى بناء مستوى أعلى من التنسيق السياسي الكوردي.
فالتجارب الكوردية المختلفة راكمت خلال العقود الماضية خبرات متباينة، لكنها بقيت تعمل، في معظم الأحيان، ضمن سياقات منفصلة.
واليوم، ومع تزامن الضغوط والتحديات في العراق وسوريا وتركيا وإيران، يصبح من الصعب الاستمرار في التفكير بالمنطق ذاته.
ليس المطلوب وحدة سياسية أو تنظيمية شاملة، فذلك لا يبدو واقعياً في ظل اختلاف الظروف بين دولة وأخرى، لكن المطلوب هو حد أدنى من التفاهم السياسي والاستراتيجي حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحول المصالح الكوردية المشتركة.
ففشل التنسيق الكوردي لا يعني فقط استمرار الانقسامات التقليدية، بل قد يؤدي إلى إضعاف القدرة على التفاوض مع العواصم الإقليمية والقوى الدولية، وإلى تضارب الرسائل السياسية، واستنزاف المكتسبات القائمة، وربما تحويل التباينات الداخلية إلى أدوات ضغط تستخدمها الأطراف الأخرى.
من هنا تبرز أهمية وجود مرجعية سياسية قادرة على رعاية هذا النقاش وإطلاقه.
وفي هذا السياق، يظل الرئيس مسعود بارزاني واحداً من الشخصيات الكوردية القليلة التي تمتلك رصيداً تاريخياً وسياسياً، وعلاقات إقليمية ودولية، تؤهله للقيام بدور يتجاوز حدود الإقليم أو الحزب.
فالمطلوب اليوم ليس إنتاج قيادة فوق قومية، بل توفير مظلّة سياسية وأخلاقية لحوار كوردي واسع حول المستقبل.
ولعل الدعوة إلى مؤتمر قومي كوردي جامع تصبح أكثر إلحاحاً في ظل هذه الظروف.
غير أن نجاح مثل هذا المؤتمر يبقى مشروطاً بقدرته على تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، والانتقال من منطق التنافس على التمثيل إلى منطق بناء رؤية مشتركة.
ورغم صعوبة المهمّة في ظل الانقسامات القائمة واختلاف أولويات القوى الكوردية، فإن فرص نجاح المؤتمر تظل قائمة إذا جرى التعامل معه بوصفه منصة للتنسيق الاستراتيجي، لا إطاراً تنظيمياً بديلاً.
ولا تكمن أهمية مثل هذا المؤتمر في إصدار البيانات أو تكرار الشعارات التقليدية، بل في قدرته على فتح نقاش جدي حول الأسئلة التي تفرضها المرحلة، وإيجاد أجوبة سياسية منطقية لتساؤلات محقة، مثل: كيف يمكن أن يتعامل الكورد مع التحول الأمريكي؟ وما طبيعة العلاقة المطلوبة مع بغداد ودمشق وأنقرة وطهران؟ وكيف يمكن حماية المكتسبات القائمة؟ وما الخطاب السياسي القادر على مخاطبة العالم بلغة المصالح والشراكات، لا بلغة الشعارات والمظلومية وحدها؟
أكاد أجزم بأن معظم القوى والأحزاب الكوردستانية تدرك حقيقة أن القضية الكوردية في أجزائها الأربعة تمر بمرحلة حساسة ودقيقة.
فمرحلة الحروب الكبرى، من حرب الخليج إلى حرب تحرير العراق، مروراً بالحرب على داعش، وصولاً إلى الحرب الأخيرة مع إيران، تقترب من نهايتها، فيما تتشكل مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء الدول وإعادة ترتيب موازين القوى والعلاقات الإقليمية.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون المشكلة في معرفة حجم التحديات بقدر ما تكون في القدرة على قراءتها.
فإما أن يتكيف الكورد، وينخرطوا إيجابياً في ترتيبات الدولة من خلال بناء خطاب سياسي جديد يجمع بين الثوابت والممكنات التي تفرضها هذه المرحلة، وتحويل" المكتسبات" إلى ضمانات دستورية وسياسية طويلة الأمد، وإما أن تستمر الانقسامات الداخلية والرهان على توازنات إقليمية ودولية متغيرة، من دون تطوير أدوات سياسية جديدة، بما يؤدي إلى استنزاف تدريجي للمكتسبات القائمة من خلال تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، وعودة المقاربات الأمنية التقليدية، وتقليص هامش الحركة السياسية، وتقويض بعض الإنجازات التي تحققت خلال العقدين الماضيين.
ولهذا، أعتقد أن السياسة الكوردية بحاجة الانتقال من الدفاع عن المكاسب إلى بناء مشروع سياسي جديد؛ مشروع لا يكتفي بحماية ما تحقق، بل يسعى إلى إعادة تعريف دور الكورد وموقعهم في شرق أوسط تتشكل ملامحه بعد حرب غزة في السابع من تشرين الأول 2023.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك