تتفاخر المدارس الدبلوماسيَّة ـ وخصوصًا البريطانيَّة ـ بالاهتمام بمفاهيم البروتوكول والإتيكيت وإدارة الفعاليَّات، ووضع اللمسات الحديثة استنادًا إلى مُقوِّمات الذكاء الاصطناعي وتغيُّر مسارات ومهام وصلاحيَّات الكادر الدبلوماسي إلى أجندة جديدة، ألا وهي إضافة الجانب الأمني في تنفيذ الواجبات وتوقيتها وأماكنها، والتي لها اليد العليا في القرار النهائي لتنفيذ الفعاليَّة الرسميَّة، وكذلك الاجتماعيَّة.
في ثلاثينيَّات القرن الماضي وضعت المدرسة الإنجليزيَّة الأُسُس الحديثة لتقسيم مفاهيم الإتيكيت إلى (الإتيكيت الحكومي والإتيكيت الاجتماعي)، واللذين يعدَّان الكاريزما المثاليَّة للشخص من حيث تطبيق جميع المفردات بدرجة عالية من الإتقان والحرفيَّة والوصول إلى كفاءة الإنتاجيَّة.
تقسم إدارة الفعاليَّات إلى جزءين جوهريين، وهما: (الرسمي والاجتماعي)، أو بالأحرى (الحكومي والشخصي)، والاثنان يصبَّان في مفاهيم البروتوكول والإتيكيت والمهارات الدبلوماسيَّة في مهارة التخطيط والتنفيذ والمتابعة استنادًا إلى إدارة الوقت والمناسبة والحضور والمكان.
لذا، في المرحلة الثانية والثالثة، يدخل المجال الأمني في تنفيذ الفعاليَّات.
وفي أكاديميَّتنا ندرس المهارات الدبلوماسيَّة على شكل مراحل ودرجات، نبدأ من المرحلة الأولى وهي المتعارف عليها؛ لِمَا تحتويه من معالم ونظريَّات بسيطة، لننتقل بعدها إلى المراحل المتقدمة وهي (الثانية والثالثة والرابعة والخامسة)؛ لأن فن الدبلوماسيَّة والبروتوكول والإتيكيت الآن ليس تناول الطعام واستخدام الشوكة والسكين ومآدب الطعام، لأن هذه المواضيع أصبحت متعارفًا عليها، ويحتاج الانتقال إلى المراحل المتقدمة إلى الارتباط بالذكاء الاصطناعي.
حتى في الإتيكيت الحكومي تم تقسيمه إلى (المدني والعسكري والأمني)، ولكل جزء سِمات ومُقوِّمات تختلف كثيرًا عن البقيَّة، ولكن تبقى الأُسُس الرصينة بفن الدبلوماسيَّة هي الأساس والخطوات الأولى لجميع الأنواع والتفرعات التي أفرزتها الأحداث اليوميَّة والطفرات التكنولوجيَّة المتسارعة.
إن بروتوكول وإتيكيت إدارة الفعاليَّات، الجزء الأول منه، يعتمد كثيرًا على المفاهيم الكلاسيكيَّة بفن الدبلوماسيَّة، لينتقل بعدها إلى عدَّة محاور وأنواع، وأهمها: نوع المناسبة (حكومي أو اجتماعي)، ونوع الحضور وعددهم، والمكان (داخل القاعات أو خارجها)، واختيار الوقت المناسب (نهارًا أو ليلًا)، وكذلك الفصول الأربعة (الشتاء والصيف والخريف والربيع)، والميزانيَّة الماليَّة، ونظام الأسبقيَّة بالجلوس والحضور والانصراف وتوجيه الدعوات، وإتيكيت اختيار ألوان الملابس، وفن المجاملة وإدارة الحديث مع الجمهور والأحاديث المحظورة، ولُغة الجسد ومستوى نبرة الصوت، وإتيكيت التعارف والمصافحة وتبادل البطاقة الشخصيَّة، وغيرها من المحاور التي تُعَدُّ من سِمات المرحلة الأولى من إدارة الفعاليَّات.
يعرف الإتيكيت الاجتماعي بأنه: هو مجموعة من التصرفات والسلوكيَّات الإيجابيَّة أو السلبيَّة من قبل الفرد بالمُجتمع (مجتمعة أو منفردة) في حضوره بالفعاليَّات الاجتماعيَّة والشخصيَّة، وتنظم طريقة التواصل مع الجمهور من الأفراد والعوائل بعضهم مع بعض في المُجتمع.
يهدف إلى إظهار السلوك الراقي المهذب للفرد أمام الجميع، وإظهار كل الصفات الحسنة من الاحترام واللباقة واللياقة والتواضع والإبداع والتفاعل في التعامل مع الآخرين، سواء في الفعاليَّات الرسميَّة أو الاجتماعيَّة، وهو جزء لا يتجزأ من فن الدبلوماسيَّة، وكذلك رحابة الصدر وبشاشة الروح والابتسامة وفن المجاملة الراقي واحترام المقابل مهما كان، وتقبُّل النقد البنَّاء وعدم الاستهانة بأي شخص، والابتعاد عن النفاق الإداري، والالتزام الكامل بتعليمات المسؤول وعدم التهاون بها، وكذلك الالتزام بإتيكيت إدارة الوقت والاهتمام بالهندام الخارجي واختيار ألوان الملابس المناسبة لكل فعاليَّة، وكذلك الحفاظ على مستوى نبرة الصوت المعتدل واستخدام واختيار الكلمات والجُمل المهذبة أينما كان، وكذلك الاهتمام بالإتيكيت العائلي والعادات والتقاليد الأصيلة، وغيرها من المفردات ذات الإيجابيَّة العالية التي تصقل من كاريزما الشخص.
الإتيكيت الحكومي يختلف كثيرًا عن الإتيكيت الاجتماعي من حيث السِّمات والنظريَّات وحتى المدارس.
فنلاحظ أن المدارس الشرقيَّة التي تقودها في العصر الحديث الصين وروسيا تعتمد كثيرًا على الذكاء الاصطناعي من حيث التنظيم والتحليل والتخطيط، ولكن ليس بعيدًا في إدارة الفعاليَّات بجميع أنواعها، ويكاد يكون متصلًا فعلًا بفن الدبلوماسيَّة وتهيئة الكادر الدبلوماسي، وخصوصًا موظفي الاختصاص، وهم المراسم والعلاقات العامَّة الذين لديهم الخبرة الكافية بمهارة التخطيط والتنفيذ بالتطور التكنولوجي الذي يمسُّ عملهم، وأن كفاءة التنفيذ في إدارة الفعاليَّات تعتمد كثيرًا على المعلومات المتوافرة والدقيقة.
في الختام، إن إدارة الفعاليَّات تعتمد كثيرًا على العادات والتقاليد لكل بلد، وبالتالي فإن البروتوكول والإتيكيت العُماني الحديث ليس من قبيل المصادفة، وإنما يمتد تاريخه إلى تاريخ أرض مجان وتراب وشعبنا العُماني الأصيل، حيث البروتوكولات العشائريَّة والأُسريَّة النموذجيَّة في تحقيق أفضل ما يكون، وكذلك الإتيكيت العُماني الأصيل في الملابس والهندام الخارجي وفن المجاملة وإدارة الحديث (أخذ العلوم ومناشدة)، من الصفات العريقة للمُجتمع العُماني المتجذر بعمق التراب، وغيرها من الصفات الجميلة العديدة.
د.
سعدون بن حسين الحمدانيدبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك