الجزيرة نت - "لا للمستحيل".. نجوم الجزائر يرسمون خارطة الإطاحة بالأرجنتين Euronews عــربي - سبيس إكس تستحوذ على شركة "كرسر" للبرمجة بالذكاء الاصطناعي مقابل 60 مليار دولار القدس العربي - عدة سفن إيرانية تبحر باتجاه الموانئ رغم الحصار الأمريكي القدس العربي - الناتو يسعى إلى تعويض النقص الناتج عن التخفيضات العسكرية الأمريكية في أوروبا العربي الجديد - مفاوضات بين "أنثروبيك" وإدارة ترامب لإعادة إطلاق نموذج فايبل 5 العربية نت - دخول لمرة واحدة.. انتهاء تأشيرة أميركا للاعب إيران يهدد استكماله لكأس العالم سكاي نيوز عربية - اتفاق إيران.. 8 أسئلة تحتاج إلى إجابات وكالة سبوتنيك - شبح الإفلاس يطرق الأبواب... هل تنجح خيارات حكومة الزيدي في إنقاذ الاقتصاد العراقي؟ العربي الجديد - البطة ميرلين نجم كأس العالم في المكسيك العربي الجديد - المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب الفلسطيني أبو صفية
عامة

في العمق : ظاهرة استئثار العمالة الوافدة بطناء النخيل: بين تراجع الخصوصية وفراغ الضوابط

الوطن
الوطن منذ 1 ساعة

النخلة تلك الشامخة الباسقة لها طلع نضيد، عايشت إنسان هذا الوطن في كل أحواله، وهو يتفيأ ظلالها الوارفة، ويقطف ثمارها اليانعة رطبًا جنيًّا، وعيشًا هنيًّا، فرغب بها ورغبت فيه، ومنحها وقته وجهده فأعطته أي...

النخلة تلك الشامخة الباسقة لها طلع نضيد، عايشت إنسان هذا الوطن في كل أحواله، وهو يتفيأ ظلالها الوارفة، ويقطف ثمارها اليانعة رطبًا جنيًّا، وعيشًا هنيًّا، فرغب بها ورغبت فيه، ومنحها وقته وجهده فأعطته أينع الثمر وأجوده.

لقد كانت حياة العُمانيين قائمة على النخلة، فهي زادهم وغذاؤهم الذي يمنحهم قُوت يومهم، ويؤسِّس لهم مساحات الأمان القادمة، ولقاء الأنس العائلي والاجتماعي.

وبالإضافة إلى قيمتها الاقتصاديَّة والغذائيَّة والحياتيَّة في ظل عطاء النخلة غير المجذوذ وثمرها غير المنقوص، شكلت النخلة ركيزة أساسيَّة في حياة الأسرة العُمانيَّة، حتى كان أكثر الناس نخلًا أكثرهم يسرًا في الحال واستطاعةً وقدرةً في تقديم المبادرة وإسعاد أهل بلده بإنفاقه ووقفه في وجوه البِر والخير والإحسان، إنها احتواء للجميع ووجهة لأهل البلدة عندما تشتد الحال.

وبالتالي، ما يعنيه ذلك من أن النخلة وتنوع التقاليد وثباتها التي التزمها الإنسان العُماني في تعامله مع النخلة، كانت تُمثِّل خصوصيَّة وطنيَّة في بناء المُجتمع اقتصاديًّا وإنتاجه مهنيًّا، وشكلت الصورة النموذجية التي قدم بها الآباء والأجداد وسلف الأُمَّة العُمانيَّة هذه النخلة، وأعطوها من الوقت والجهد والاهتمام ما صنع منها قوَّة للمُجتمع.

فكان سلوك العُمانيين مع النخلة واعتناؤهم بها وتقديرهم لها وتعظيمهم لشأنها إرثًا حضاريًّا متجددًا وهُويَّةً وطنيَّة غرست قيمة الاعتزاز بالنخلة، إرثًا حضاريًّا متجددًا وقيمةً اقتصاديَّةً واعدة.

لذلك كان ربط النخلة بالخصوصيَّة الوطنيَّة والعادات والتقاليد الاقتصاديَّة التي التزمها الإنسان العُماني مع النخلة تعبيرًا عن تجذُّر العلاقة وعمق التأثير وكفاءة الأثر الذي تحقق من التصاق النخلة بهُويَّة الإنسان العُماني، وحضورها في تفكيره واهتمامه وعمله ورزقه.

وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن خصوصيَّتنا الوطنيَّة وطبيعة التحول الحاصل في الممارسة المُجتمعيَّة الموجَّهة للنخلة، في مقارنة بين الأجداد وجيل اليوم، يضعنا أمام قراءة معمقة لتأثير بعض الممارسات المرتبطة بالعمالة الوافدة على الخصوصيَّة الوطنيَّة، وأهميَّة المحافظة على الممارسات الاجتماعيَّة والثقافيَّة الموجَّهة للنخلة، والتي شكَّلت جزءًا من الهُويَّة العُمانيَّة عبر التاريخ.

وما يحصل من انتشار ظاهرة استئثار العمالة الوافدة في طناء النخيل، وشراء الثمار والتمر والتعامل التجاري المرتبط بها، حتى أصبحت في بعض الولايات حكرًا رئيسًا على هذه الفئة ومنافسًا شرسًا أمام محاولة دخول المواطن في هذا النشاط الموسمي، هو إحدى هذه الممارسات غير المنضبطة التي باتت تمسُّ الخصوصيَّة الوطنيَّة العُمانيَّة، وتضع هذا النشاط أمام واقع جديد ومسار آخر تخلَّى فيه المواطن عن أحد أهم الأنشطة الاقتصاديَّة التي شكَّلت جزءًا من خصوصيَّة المُجتمع.

لذلك فإن التحدي الأكبر في المعادلة المرتبطة بهذا النشاط الاقتصادي الموسمي يكمن في انتقال الممارسات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة المجسدة لهذا النشاط من يد المواطن إلى يد الوافد، الأمر الذي ستكون له تداعياته المستقبليَّة على ثقة المواطن في هذا النشاط، ومدى حضور النخلة في الوعي المُجتمعي ودورها التاريخي في حياة الأُسر العُمانيَّة.

لذلك نعتقد بأن بروز هذه الفجوة وظهور هذا الفراغ في عمليَّة الطناء لصالح العمالة الوافدة إحدى الممارسات التي باتت تتدخل في الخصوصيَّة الوطنيَّة، وهي ظاهرة بدأت تثير تساؤلات مُجتمعيَّة واسعة حول مستقبل واحدة من العادات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المرتبطة بالنخلة العُمانيَّة، حيث مثَّل طناء النخيل لعقود طويلة فرصةً موسميَّةً ينتظرها المواطن العُماني للاستفادة من ثمار النخيل، سواء بغرض التبسيل أو توفير الأعلاف للحيوانات أو تخزين التمور للاستهلاك اليومي أو بيعها في الأسواق الإقليميَّة والعالميَّة والادخار من عائدها.

وكانت هذه الممارسة تُمثِّل جزءًا من دورة اقتصاديَّة واجتماعيَّة متكاملة تستفيد منها الأُسر والعوائل في مختلف ولايات سلطنة عُمان.

كما كانت تسهم في تعزيز ارتباط المواطن بالنخلة التي شكَّلت عبر التاريخ رمزًا للحياة والإنتاج والاستقرار.

عليه، فإن تراجع حضور المواطن بصورة لافتة في عمليَّة طناء النخيل في الكثير من ولايات سلطنة عُمان يضعنا اليوم أمام مرحلة جديدة تستدعي الوقوف عندها ودراسة نتائجها وتأثيراتها والأسباب التي أدَّت إليها، وتقنين مسألة دخول العمالة الوافدة في هذا النشاط، والبحث في إيجاد مراجعات وأنظمة تقييم ورصد للحالة بما يحافظ على الخصوصيَّة الوطنيَّة، ويضمن عودة المواطن إلى هذا النشاط وتعظيم فرص الاستفادة منه اقتصاديًّا في ظل فتح آفاق تسويقيَّة أوسع، وتنوع في الأنشطة الاستهلاكيَّة والتجاريَّة المرتبطة بالتمور، وتشجيع المواطنين ورجال الأعمال والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة على مزاولة هذا النشاط؛ الأمر الذي سيقلل من الممارسات غير المسؤولة الناتجة عن دخول الوافد كمنافس للمواطن في طناء النخيل.

على أن انتقال التحكم في نشاط طناء النخيل إلى غير أبناء المُجتمع قد يؤدي تدريجيًّا إلى اندثار ممارسة كانت تحمل أبعادًا تراثيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة متجذرة في الثقافة العُمانيَّة.

وفي الوقت نفسه، فإن استئثار هذه العمالة بهذا النشاط سوف يحرم الكثير من العُمانيين الذين كانوا يعتمدون على الطناء للرطب أو التمر، وممارسة العمالة الوافدة لهذا النشاط قد تؤدي إلى المنافسة ورفع الأسعار التي تتجاوز إمكانات بعض الأُسر، الأمر الذي ستكون له تداعياته الخطيرة إذا لم يتم تنظيم وتقنين عمليَّة طناء النخيل بالشكل الذي يحفظ للمواطن دوره وحضوره في المجالات المرتبطة بهُويَّته وثقافته.

فطناء النخيل ليس مجرد بيع وشراء، بل هو جزء من الذاكرة الجمعيَّة المُجتمعيَّة العُمانيَّة ومن منظومة القيم المرتبطة بالنخلة التي ظلت على مدى قرون مصدرًا للغذاء والدخل والاستقرار.

وفي الشأن نفسه، فإن المحافظة على الخصوصيَّة الوطنيَّة تحمل اليوم في ذاتها إرثًا حضاريًّا من العادات والتقاليد والممارسات التي ارتبطت بحياة الإنسان العُماني وعمله ورزقه وسلوكه اليومي، ممارسةً أصيلةً ميَّزت الإنسان العُماني وتميَّز خلالها بالعمل والجهد والابتكار.

وهي خصوصيَّة تتجاوز مسألة اللبس إلى محطَّات ارتبطت بمعيشة الإنسان العُماني وإنتاجه وأمنه الغذائي، واعتماده على موارده وإعادة إنتاج غذائه، وحماية هذه الأنشطة التي تُمثِّل جزءًا من الهُويَّة العُمانيَّة وضمان استمرار حضور المواطن فيها يفرض اليوم حالة من التقنين والضبطيَّة لها والحد من منافسة العمالة الوافدة فيها.

وطناء النخيل يُمثِّل اليوم نموذجًا واضحًا لضرورة إعادة قراءة بعض التحولات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة التي يشهدها المُجتمع العُماني، وتأكيد استمرار جذور المحافظة على هذه العادات والممارسات سوف يضمن تحقيق التوازنات التي باتت جزءًا أصيلًا من حياة المُجتمع العُماني.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستظل النخلة العُمانيَّة بما تحمله من رمزيَّة حضاريَّة وثقافيَّة واقتصاديَّة حاضرة في وجدان المواطن وممارساته اليوميَّة؟ وهل ستؤدي مثل هذه الظواهر المستجدة تدريجيًّا إلى تراجع هذا الحضور؟ وهل بروز هذه الظاهرة يعود إلى عزوف بعض المواطنين عن هذا النشاط، والفراغ في سد النقص، أم إلى غياب التنظيم والمتابعة، مما أتاح للعمالة الوافدة الاستحواذ على هذا المجال دون ضوابط واضحة؟إن الإجابة عن بعض هذه التساؤلات تضعنا أمام الوقوف على المبررات التي قد يطرحها البعض بشأن تحدِّيات النخلة ومتطلبات المحافظة عليها، خصوصًا في ظل انتشار الأمراض والآفات التي تؤثر سلبًا على جودة الإنتاج، أو في ظل تراجع معدلات الاستهلاك المحلِّي للتمور نتيجة تغيُّر أنماط الحياة والاحتياجات الغذائيَّة لدى الأجيال الحاليَّة، والتي لا ينبغي أن تكون مبررًا لتراجع الاهتمام بالنخلة أو ضعف حضور المواطن في عمليَّات العناية والإنتاج (طناء النخيل مثلًا).

ذلك أن السوق المحلِّي والعالمي للتمور يظل محكومًا بقواعد العرض والطلب، وما يرافقها من تغيُّرات في تفضيلات المستهلكين بين فترة وأخرى؛ فقد يشهد نوع معيَّن من التمور إقبالًا مرتفعًا في مرحلة زمنيَّة محددة، ثم ينتقل الطلب إلى أصناف أخرى وفقًا لما تحمله من مُقوِّمات غذائيَّة وصحيَّة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة أكثر عمقًا واتساعًا لمتغيِّرات السوق العالميَّة للتمور، والتوجُّه نحو إنتاج الأصناف التي تدخل في الصناعات الغذائيَّة والطبيَّة والصيدلانيَّة، وكذلك في إنتاج الزيوت والعطور ومستحضرات التجميل، بما يسهم في خلق قيمة مضافة أعلى للتمور، ويعزز من مساهمتها في الاقتصاد الوطني، ويصنع تحولًا نوعيًّا في العائد المتحقق من هذا القطاع الحيوي.

إنها مسؤوليَّة مشتركة تتطلب وعيًا مُجتمعيًّا وجهودًا مؤسَّسيَّة تحافظ على هذا الموروث الحضاري وتمنحه فرص الاستمراريَّة والتجدد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك