منذ إصابته خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، لم يفارق الملف الطبي الشاب الفلسطيني حمادة أبو عجوة، يحمله معه أينما ذهب، متنقلاً بين المستشفيات والمراكز الطبية، على أمل أن تتحول تقاريره إلى فرصة حقيقية للعلاج، غير أن رحلته بقيت معلّقة بين حاجته الملحة لتدخل جراحي، وإغلاق المعابر التي يحول دون سفره.
وفقاً لتقاريره الطبية، يعاني حمادة من إصابة معقدة في العمود الفقري، تتمثل في عدم ثبات الفقرات الصدرية، ما يتطلب تدخلاً جراحياً دقيقاً لتثبيتها باستخدام الميكروسكوب الجراحي، إلى جانب توسيع القناة العصبية لإزالة الضغط عن الأعصاب والحبل الشوكي.
وهي تدخلات علاجية يفتقر إليها قطاع غزة في ظل الواقع الصحي الراهن.
يقول حمادة لـ" العربي الجديد": " منذ إصابتي وأنا أحمل ملفي الطبي معي في كل مكان، كأنه بطاقة تعريف جديدة لحياتي، كل صفحة فيه تروي جزءاً من ألمي، وكل تقرير يذكرني بأن علاجي ما زال مؤجلاً، وأن الوقت يمضي بينما حالتي تحتاج إلى تدخل عاجل".
ويضيف: " الأطباء أوصوا بإجراء عملية دقيقة واستكمال برنامج علاجي وتأهيلي، لكنني عاجز عن تنفيذ هذه التوصيات بسبب بقائي داخل غزة.
أحلم فقط بأن أتمكن من السفر والوصول إلى مستشفى يستطيع إجراء الجراحة التي قد تمنحني فرصة لاستعادة جزء من حياتي".
ويتابع: " لم أعد أفكر في شيء سوى العلاج، أصبحت أبسط تفاصيل يومي مرتبطة بالألم وصعوبة الحركة والخوف من تدهور حالتي، أريد فقط أن أحصل على حقي في العلاج قبل أن تتعقد الإصابة أكثر، وأريد أن أستعيد قدرتي على الحركة والعمل كبقية الناس".
ومنذ حصوله على ملفه الطبي، بدأ رحلة طويلة من البحث عن العلاج، إلا أن محدودية الإمكانات الطبية داخل القطاع حالت دون ترجمة توصيات الأطباء إلى خطوات علاجية فعلية، ليبقى التقرير الطبي شاهداً على حاجة ملحة إلى تدخل جراحي ورعاية تأهيلية متخصصة.
وتفرض إصابته تحديات يومية قاسية، إذ يعاني من آلام مستمرة وصعوبة في الحركة والتنقل، الأمر الذي حد من قدرته على ممارسة حياته الطبيعية والعمل وتأمين احتياجاته الأساسية، كما يحتاج إلى متابعة طبية وتأهيل مستمر للحيلولة دون تدهور حالته، في وقت أصبحت فيه الخدمات الصحية المتاحة عاجزة عن تلبية احتياجات أصحاب الإصابات المعقدة.
ولا تقتصر معاناة حمادة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، إذ يعيش حالة من القلق الدائم خشية فقدان فرصته في العلاج، فيما يضطر للاعتماد على الآخرين في كثير من تفاصيل حياته اليومية بعد أن كان قادراً على الاعتماد على نفسه قبل الإصابة.
ويحمل ملفه الطبي، الممهور بالأختام والتوقيعات الرسمية، توصيات واضحة بضرورة استكمال العلاج وإجراء التدخلات اللازمة، إلا أن تلك الأوراق بقيت حتى اليوم عاجزة عن فتح الطريق أمامه للوصول إلى المستشفى الذي يحتاجه، لتتحول من وسيلة للعلاج إلى سجل يوثق معاناة مستمرة.
وتزداد مخاوفه مع مرور الوقت، إذ إن تأخر التدخل الجراحي قد يؤدي إلى تفاقم حالته وصعوبة علاجها مستقبلاً، ما يجعله يعيش كل يوم على وقع الانتظار، مترقباً أي فرصة تمكنه من مغادرة القطاع واستكمال البروتوكول العلاجي الذي أوصى به الأطباء.
ولا تمثل قصة حمادة حالة فردية، بل تعكس واقع آلاف الجرحى والمرضى في قطاع غزة الذين تبدأ معاناتهم الحقيقية بعد الإصابة، حيث يتحول البحث عن العلاج إلى رحلة شاقة وسط انهيار المنظومة الصحية وإغلاق المعابر، وقد خلفت الحرب إصابات معقدة تحتاج إلى تدخلات جراحية دقيقة وبرامج تأهيل طويلة الأمد لا تتوفر داخل القطاع، في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والأجهزة الحديثة، وتضرر المستشفيات، واستنزاف الكوادر الصحية التي تعمل بإمكانات محدودة أمام الأعداد الكبيرة من المصابين.
كما يعيش المرضى والجرحى الذين أوصى الأطباء بتحويلهم للعلاج خارج غزة واقعاً بالغ الصعوبة، إذ تقف القيود المفروضة على السفر وإغلاق المعابر عائقاً أمام استكمال بروتوكولاتهم العلاجية، لتتحول الأشهر إلى سنوات من الانتظار، بينما تتفاقم الإصابات وتزداد احتمالات حدوث مضاعفات قد يصعب علاجها لاحقاً.
وفي ظل استمرار الأزمة الصحية والإنسانية، تتعالى المطالب بضمان حق الجرحى والمرضى في الوصول إلى العلاج دون تأخير باعتباره حقاً إنسانياً أساسياً، وبين هؤلاء يقف حمادة أبو عجوة ممسكاً بملفه الطبي، متمسكاً بالأمل رغم طول الانتظار، آملاً أن تتحول توصيات الأطباء يوماً ما إلى علاج حقيقي يعيد إليه القدرة على الحركة والعمل والحياة الكريمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك