تعيش مدينة سامراء، الواقعة بمحافظة صلاح الدين، شمالي العراق، على وقع توتر أمني وسياسي متصاعد عقب قرار رئاسة" الحشد الشعبي" إعفاء قائد عمليات سامراء علي لفتة الشمري من منصبه وتكليف قائد جديد بإدارة الملف الأمني في المدينة، في خطوة أثارت اعتراضات واسعة داخل" سرايا السلام"، الجناح العسكري للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر.
ولم يقتصر الجدل على البعد الإداري للقرار، بل سرعان ما انعكس ميدانياً مع انتشار عناصر من سرايا السلام في عدد من شوارع ومواقع المدينة، وسط حالة من الاستنفار والترقب دفعت الأوساط السياسية والأمنية إلى التحذير من تداعيات أي تصعيد قد يهدد الاستقرار في واحدة من أكثر المدن العراقية حساسية على المستوى الأمني والديني.
ويكتسب التطور أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي تحتلها سامراء، التي تضم مرقد الإمامين العسكريين وتعد من المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية ترتيبات أمنية معقدة شاركت فيها تشكيلات متعددة ضمن منظومة الحشد الشعبي والقوات الأمنية.
لذلك فإن أي تغيير في هرم القيادة الأمنية داخل المدينة غالباً ما يتجاوز كونه إجراءً إدارياً روتينياً، ليرتبط بحسابات سياسية وأمنية دقيقة تتعلق بتوازنات القوى والنفوذ بين الفصائل المختلفة.
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت لـ" العربي الجديد"، فإن سبب التوتر الحالي لا يرتبط فقط بإعفاء القائد السابق، بل بطبيعة الجهة التي ينتمي إليها القائد الجديد المكلف بإدارة العمليات، إذ ينتمي إلى حركة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، الأمر الذي قوبل برفض من قيادات وعناصر في سرايا السلام.
وجاء هذا الرفض في ظل تاريخ طويل من الخلافات والتنافس بين الطرفين، يعود إلى مرحلة خروج الخزعلي من عباءة التيار الصدري وجيش المهدي، قبل أن تتطور العلاقة لاحقاً إلى خصومة سياسية وأمنية انعكست في أكثر من محطة على الأرض.
وأضافت المصادر أن هناك تدخلاً مباشراً من رئيس الوزراء علي الزيدي ونائب قائد العمليات المشتركة قيس المحمداوي لوقف القرار الأمني الصادر من رئيس الحشد الشعبي فالح الفياض، ومنع تطور الأوضاع ميدانياً بين عناصر سرايا السلام وعناصر حركة عصائب أهل الحق إذا ما قرر القائد المكلف الجديد تسلم مهامه رغم رفض الصدريين لذلك.
وعقدت قيادات بجماعة" سرايا السلام" مؤتمراً صحافياً في مدينة سامراء، اليوم الثلاثاء، أعلنت فيه" تمسكها بالبقاء في مدينة سامراء وفاءً لدماء الشهداء الذين دافعوا عن المرقدين الشريفين، وحفاظاً على الأمن والاستقرار الذي تحقق بفضل تضحياتهم، واستمراراً في أداء واجبها بحماية المدينة المقدسة وخدمة أهلها وزائريها"، معلنةً رفضها" أي توجيه أمني يهدف إلى تغيير الواقع الأمني في سامراء، ووجود سرايا السلام في المدينة مستمر لحماية أهلها إلى حين انتقال الملف الأمني إلى المؤسسات الأمنية العراقية".
وأضافت قيادة" سرايا السلام" في سامراء: " نعلن الانفكاك التام عن التيار الوطني الشيعي والالتحاق التام بالدولة العراقية، لكن هذه الخطوة لا تعني التخلي عن العقيدة، بل تمثل موقفاً مسؤولاً يهدف إلى استقرار الدولة وترسيخ القانون والحفاظ على أمن العراق ووحدته".
بالمقابل، قال الخبير في الشؤون الأمنية العميد عدنان التميمي، لـ" العربي الجديد"، إن" مثل هذه التطورات تمثل اختباراً حقيقياً لجهود الدولة في ترسيخ الأمن والاستقرار والمضي بملف حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، فالاعتراضات التي رافقت قرار تغيير قائد عمليات سامراء وما تبعها من انتشار مسلح واستعراض للقوة داخل المدينة تثير القلق، لأن أي خلاف بين التشكيلات المسلحة، مهما كانت أسبابه، يجب أن يبقى ضمن الأطر القانونية والإدارية بعيداً عن أي مظاهر ميدانية قد تفسر باعتبارها تحدياً لسلطة الدولة أو محاولة لفرض إرادات سياسية وأمنية على الأرض".
وأضاف التميمي أن" العراق يمر بمرحلة حساسة تتطلب تعزيز هيبة المؤسسات الأمنية وترسيخ مبدأ الاحتكام إلى القانون، لا سيما أن الحكومة الحالية وضعت ضمن أولوياتها دعم الاستقرار الداخلي ومعالجة ملف السلاح المنفلت وحصر استخدام القوة بيد الدولة، وبالتالي فإن أي توترات من هذا النوع قد ترسل رسائل سلبية للرأي العام وتؤثر على الجهود المبذولة لتحقيق هذا الهدف".
وبيّن أن" مدينة سامراء تمتلك خصوصية دينية وأمنية كبيرة، وأي اضطراب فيها قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المدينة نفسها، لذلك من الضروري احتواء الأزمة بسرعة عبر الحوار والتفاهمات المؤسسية ومنع انتقال الخلافات السياسية أو الفصائلية إلى الشارع".
وأكد أن" نجاح الحكومة في فرض الاستقرار يتطلب التزام جميع القوى والفصائل بقرارات المؤسسات الرسمية واحترام التسلسل القيادي وعدم اللجوء إلى أي إجراءات ميدانية قد تفتح الباب أمام توترات أوسع، وأي مشهد يظهر تعدد مراكز القرار الأمني أو وجود اعتراضات مسلحة على قرارات الدولة من شأنه أن يضعف الثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الملف الأمني، وهو ما يتعارض مع المساعي الحكومية الرامية إلى بناء دولة قوية تحتكر استخدام القوة وفق الدستور والقانون، وتحافظ على الأمن والاستقرار بعيداً عن حسابات التنافس والصراع بين الأطراف المختلفة".
وخلال السنوات الماضية شهدت عدة محافظات، ولا سيما البصرة وميسان، صدامات واحتكاكات متكررة بين عناصر محسوبة على التيار الصدري والعصائب، ما جعل أي تحرك أو قرار يمس مناطق النفوذ المشتركة بين الجانبين يُقرأ من زاوية الصراع على التأثير والتمثيل داخل المشهد الشيعي العراقي.
وفي هذا السياق، ينظر مراقبون إلى ما يجري في سامراء بوصفه اختباراً جديداً لقدرة الأطراف المعنية على احتواء الخلافات ومنع انتقالها من الإطار السياسي والتنظيمي إلى مستويات قد تنعكس سلباً على الوضع الأمني في المدينة، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها البلاد والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار الأمني بعيداً عن حسابات التنافس الفصائلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك