تواجه وزارة التربية والتعليم السورية منذ أكثر من عام ونصف على التحرير سلسلة من الانتقادات والملفات الخلافية، بدءاً من تعديل المناهج وقرارات نقل المعلمين، وصولاً مؤخراً إلى مشكلات مرتبطة بأسئلة الامتحانات، إلى جانب قضايا أخرى أثارت نقاشاً واسعاً حول أداء الوزارة.
ورغم وفرة تجارب التربية والتعليم العالمية، لبلدان مرت بظروف مشابهة للحالة السورية، فإن الوزارة، لم تتمكن حتى اليوم، من بناء سردية وطنية جامعة، أسوة بما فعلته ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أو رواندا بعد الحرب الأهلية الطاحنة بين الهوتو والتوتسي عام 1994.
وبالعودة إلى ما فعله الألمان، في برنامج" إزالة النازية" من المناهج، ومحو العرقية الآرية المعادية للآخر من أذهان الطلبة، فقد كان البديل عند الألمان الجدد، الذين ورثوا بلداً مدمراً بسبب سياسات هتلر، هو التركيز على التفكير النقدي والديمقراطية والتعليم المدني.
لقد استحدث الألمان مادة ضموها للمناهج بعنوان" التربية المدنية"، تولت تعليم الطلاب حقوق الإنسان وآليات المحاسبة السياسية لضمان عدم تكرار الديكتاتورية، كما اعتمدوا آلية التعليم المزدوج" النظري والعملي"، لإنقاذ الاقتصاد المدمر.
وكان لتدريب الشباب في المصانع، الدور الحاسم في تنمية المهارات وتوفير فرص العمل، والتحريض على الابتكار، فيما سمي لاحقاً بـ" المعجزة الاقتصادية الألمانية"، التي جعلت ألمانيا في مقدمة الدول الأوروبية، على صعيد الصناعات المتعددة.
لكن الاستفادة من التجربة الألمانية أو غيرها من التجارب الناجحة لم تظهر في الحالة السورية حتى الآن، إذ أثار امتحان الرياضيات قبل أيام موجة واسعة من الانتقادات بين الطلبة، انعكست في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، بعدما عبر بعض الطلاب في لقاءات عن شعورهم بغياب العدالة في مستوى الأسئلة بين منطقة سورية وأخرى، في حين رأى آخرون أن صعوبة الامتحان قد تؤثر في فرصهم بالوصول إلى فروع الدرجة الأولى في التعليم الجامعي.
رواندا والتعليم بعد الإبادةوبالانتقال لحال التعليم في رواندا، بعد ما شهدته من إبادة جماعية عام 1994، راح ضحيتها مليون شخص خلال 100 يوم فقط، فإن الحل الذي لم تتردد الإدارات الجديدة في اعتماده، هو إلغاء الفرز العرقي من المناهج وبطاقات الطلبة، بين المجموعتين الرئيسيتين" الهوتو" و" التوتسي"، لصالح الهوية الوطنية التي راحت ترسخ مصطلح" نحن روانديون فقط".
عمدت رواندا، إلى تجميد تدريس مادة التاريخ عدة سنوات، ريثما قامت بصياغته على شكل منهاج وطني جديد يركز على جذور الوحدة التاريخية لرواندا قبل الاستعمار، وفي الوقت نفسه ينبذ خطاب الكراهية كي تتعظ الأجيال.
اجتازت رواندا، طريقاً شاقاً شقته القرارات الوطنية الجريئة، التي اعتمدت الاستثمار في" رأس المال البشري"، وأطلقت مبادرات تكنولوجية شهيرة مثل" لكل طفلٍ حاسوب محمول"، كما اعتمدت اللغة الإنكليزية في التعليم، وتحولت خلال سنوات، لمركز إقليمي للابتكار في أفريقيا.
هل تصلح هذه التجارب لسوريا؟وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تستطيع سوريا بناء استراتيجية تعليمية تخدم خطط الإعمار وتحقق إنجازاً يوازي ما حققته ألمانيا في الصناعة ورواندا في التكنولوجيا؟ ، الإجابة عن هذا السؤال لا تزال تحدياً أمام الإدارات التربوية السورية، التي لا يبدو أنها تمكنت لليوم، من بناء سردية وطنية تشكل قاسماً مشتركاً، بين شعب، عانى نصفه من التهجير والقتل، ونصفه الآخر من التفقير والاعتقال والإخفاء القسري!
وتعزز لقاءات أجراها موقع" تلفزيون سوريا" مع أعداد كبيرة من الطلاب هذا الانطباع، إذ يشير كثير منهم إلى أن المشهد التعليمي العام لا يبعث على الاطمئنان لديهم، سواء لجهة المناهج، أو أسئلة الامتحانات، أو عدالة توزيع فرص الدراسة الجامعية، ولا سيما في الفروع العليا.
أما بالنسبة إلى المدرسين، فتبرز مجموعة واسعة من الهموم الإدارية والمالية التي تحتاج إلى ملف مستقل للإحاطة بها، إلى جانب الانتقادات المرتبطة بطريقة تعديل المناهج، التي وصفها كثير من المعلمين الذين التقاهم الموقع بأنها" ارتجالية".
ومن هنا، لا تبدو الاستفادة من التجربتين الألمانية والرواندية مسألة تقنية تتعلق بالمناهج وحدها، بقدر ما ترتبط بجرأة سياسية تحدد بوضوح هوية المسار التربوي، وتتبنى منهجاً قائماً على التفكير النقدي، حتى عندما تكون نتائجه صعبة.
ويرى معلمون فضلوا عدم ذكر أسمائهم أن غياب هذه المقاربة قد يجعل الحديث عن استلهام" المعجزة الألمانية" في الصناعة، والتجربة الرواندية في الابتكار والتكنولوجيا، أقرب إلى فكرة معلقة من دون أثر حقيقي في الواقع السوري.
بالنهاية، هل يمكن للسوريين الاستفادة من تجربتي ألمانيا ورواندا التعليميتين؟ يجيب عدد من المعلمين الذين وجه لهم موقع" تلفزيون سوريا" هذا السؤال بأن المسألة تحتاج إلى جرأة تحدد بوضوح هوية المسار التربوي، وتتبنى منهج العقل النقدي مهما بدت نتائجه صعبة، وإلا فإن استلهام" المعجزة الألمانية" في الصناعة، والتجربة الرواندية في الابتكار والتكنولوجيا، قد يبقى مجرد فكرة معلقة لا تجد طريقها إلى الواقع السوري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك