عندما يدور الحديث حول المحركات، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى المحركات العملاقة التي تشغل السفن والمصانع والسيارات الكهربائية.
لكن على الجانب الآخر من المقياس، توجد إنجازات هندسية لا تقل إبهارًا، أبرزها أصغر محرك كهربائي في العالم، وهو صغير للغاية لدرجة أنه لا يمكن رؤيته إلا باستخدام مجهر قادر على تمييز الذرات الفردية.
ويحمل هذا المحرك، الذي طوره فريق من الباحثين في جامعة تافتس عام 2011، الرقم القياسي في موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأصغر محرك كهربائي تم تصنيعه حتى اليوم.
على عكس المحركات الكهربائية التقليدية المستخدمة في السيارات أو الأجهزة الإلكترونية، والتي تعتمد على المغناطيس والملفات الكهربائية لتوليد الحركة، يتكون هذا المحرك من جزيء واحد فقط، بحسب تقرير نشره موقع" slashgear" واطلعت عليه" العربية Business".
ويتألف الجزيء من مركب كيميائي يُعرف باسم Butyl Methyl Sulphide، حيث تتمركز ذرة كبريت في المنتصف وتتصل بها سلاسل من ذرات الكربون والهيدروجين من الجانبين.
واختار العلماء هذا الجزيء تحديدًا بسبب بنيته غير المتناظرة؛ إذ يحتوي أحد الجانبين على أربع ذرات كربون، بينما يحتوي الجانب الآخر على ذرة كربون واحدة فقط.
هذا الاختلاف يمنح الجزيء خصائص تساعده على الدوران، فيما تعمل ذرة الكبريت كنقطة ارتكاز للحركة.
أصغر من شعرة الإنسان بعشرات الآلاف من المراتيبلغ عرض المحرك نحو نانومتر واحد فقط، أي واحد من مليار جزء من المتر.
وللمقارنة، فإن شعرة الإنسان الواحدة يزيد قطرها بنحو 60 ألف مرة عن حجم هذا المحرك.
كما أن الرقم القياسي السابق لأصغر محرك كهربائي كان يبلغ نحو 200 نانومتر، ما يجعل الإنجاز الجديد أصغر بكثير من جميع المحاولات السابقة.
يعتمد تشغيل المحرك على جهاز متطور يُعرف باسم Scanning Tunneling Microscope أو" المجهر النفقي الماسح".
ولا يستخدم هذا المجهر الضوء لرؤية الأجسام كما تفعل المجاهر التقليدية، بل يعتمد على تدفق الإلكترونات لدراسة الذرات والجزيئات.
ويحتوي الجهاز على رأس معدني فائق الدقة يقوم بحقن الإلكترونات مباشرة داخل الجزيء، ما يمنحه الطاقة اللازمة للدوران.
لضمان مراقبة حركة المحرك بدقة، اضطر الباحثون إلى إجراء التجارب في درجات حرارة شديدة الانخفاض تصل إلى نحو -268 درجة مئوية (ما يعادل حوالي -450 درجة فهرنهايت)، وهي درجة قريبة جدًا من الصفر المطلق البالغ -273.
15 درجة مئوية.
ويعود السبب في ذلك إلى أن الجزيء يدور بسرعة هائلة عند درجات الحرارة الأعلى، ما يجعل تتبع حركته أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي درجة حرارة تبلغ 100 كلفن فقط، يمكن للجزيء أن يدور أكثر من مليون مرة في الثانية الواحدة، بينما يساعد التبريد الشديد على خفض السرعة إلى نحو 50 دورة في الثانية، وهي سرعة تسمح للعلماء بمراقبة الحركة وتسجيلها.
ورغم أن هذا المحرك لا يزال في مرحلة الأبحاث العلمية، فإن العلماء يرون أنه قد يفتح الباب أمام تطبيقات متقدمة في عدة مجالات، وعلى رأسها القطاع الطبي.
ومن بين الاستخدامات المحتملة:- تحسين حركة السوائل داخل الأنابيب الطبية فائقة الدقة.
- تطوير أجهزة طبية مجهرية أكثر كفاءة.
- تصنيع تروس ومكونات ميكانيكية نانوية الحجم.
- دمج محركات جزيئية داخل الدوائر الإلكترونية المستقبلية.
- المساهمة في تطوير تقنيات النانو والروبوتات المجهرية.
خطوة نحو آلات بحجم الذراتيمثل هذا الابتكار مثالًا بارزًا على التطور المتسارع في مجال" النانو تكنولوجي" حيث يسعى العلماء إلى بناء أجهزة ومحركات وآلات كاملة على مستوى الجزيئات والذرات.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا قبل رؤية هذه المحركات في المنتجات التجارية، فإن نجاح تشغيل محرك كهربائي بحجم جزيء واحد يبرهن على أن حدود التصغير التي كانت تبدو مستحيلة قبل عقود أصبحت اليوم واقعًا علميًا ملموسًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك