تحول كأس العالم 2026، الذي قُدم للمدن الأميركية باعتباره فرصة سياحية واقتصادية استثنائية، إلى اختبار مالي صعب قبل اكتمال مبارياته الأولى.
ففي الوقت الذي يضمن فيه فيفا الجزء الأكبر من إيرادات التذاكر والرعاية والبث والضيافة والمنتجات الرسمية، تتحمل المدن المستضيفة تكاليف الأمن والنقل والخدمات الطبية وتجهيز الملاعب ومناطق المشجعين.
وكانت الحجة التي أقنعت المدن واضحة، أن الولايات المتحدة تمتلك الملاعب والمطارات والفنادق والطرق، ولن تضطر إلى بناء منشآت ضخمة من الصفر، بينما سيجلب لهم المونديال ملايين الزوار ويملأ الفنادق والمطاعم والمتاجر.
لكن الأيام الأولى للبطولة بدأت تكشف أن السياح لا يصلون بالأعداد المتوقعة، وأن الأسعار المبالغ فيها دفعت كثيراً من المشجعين إلى التراجع، فيما بقيت الفواتير العامة ثابتة.
وبذلك لم تعد المشكلة محصورة في شروط الاستضافة غير المتوازنة، بل امتدت إلى ضعف العائد السياحي الذي اعتمدت عليه المدن لتبرير إنفاقها.
فما بدا في البداية صفقة مضمونة الأرباح، أصبح رهانا تتحمل فيه السلطات المحلية المخاطر، بينما تبقى الإيرادات المباشرة تحت سيطرة فيفا.
منافسة المدن أضعفت قدرتها على التفاوضبدأ اختلال الصفقة منذ مرحلة الترشح، عندما تنافست عشرات المدن الأميركية على استضافة المباريات ضمن الملف المشترك للولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وكانت كل مدينة تدرك أن اعتراضها على الشروط قد يؤدي ببساطة إلى استبدالها بمدينة أخرى مستعدة لتقديم الضمانات المطلوبة.
وفي مارس/آذار 2018، كشفت وكالة أسوشييتد برس أن المدن المرشحة كانت مطالبة بمنح فيفا والكيانات المرتبطة بالبطولة إعفاءات ضريبية، وتوفير ضمانات تتعلق بالأمن والخدمات العامة والتنقل، إلى جانب قبول اتفاقيات تخضع للقانون السويسري.
ولم تكن المدن تتفاوض من موقع الشريك الذي سيقتسم الإيرادات، بل من موقع المتنافس على حق الاستضافة.
وقد منح ذلك فيفا القدرة على فرض نموذج موحد يصعب تعديله، في ظل خوف كل مدينة من فقدان المباريات وما يصاحبها من دعاية عالمية.
وأظهر تحقيق مشترك لصحيفة" هيوستن كرونيكل" الأميركية ومؤسسة" بروبابليكا" المختصة في التحقيقات، نشر في 29 إبريل/نيسان الماضي بعد مراجعة عقود عدد من المدن، أن معظم التكاليف التنظيمية المحلية تقع على المدن أو لجانها المنظمة، بينما تبقى قدرتها على تحصيل الإيرادات المباشرة محدودة.
ووصف آلان روثنبرغ، الذي قاد تنظيم مونديال 1994 ويشارك في اللجنة المنظمة لمدينة لوس أنجليس في نسخة 2026، الاتفاقيات بأنها" أحادية الجانب إلى حد كبير"، في إشارة إلى الفارق بين ما يحصل عليه فيفا وما تتحمله المدن.
فيفا يحصل على الإيرادات والمدن تدفع الفواتيريحتفظ فيفا بإيرادات التذاكر والضيافة والرعاية والبث والمنتجات الرسمية، بينما لا تحصل المدن المستضيفة على حصة مباشرة من مبيعات التذاكر أو الطعام والمشروبات داخل الملاعب أو مواقف السيارات أو المنتجات المرتبطة بالبطولة.
كما فرض فيفا قيوداً على قدرة اللجان المحلية على استخدام التذاكر والأجنحة الفاخرة لجذب الرعاة، رغم أن هذه الوسائل تعد من أهم مصادر تمويل الأحداث الرياضية الكبرى.
وفي المقابل، تتحمل الجهات المحلية نفقات الشرطة والإطفاء والإسعاف وتنظيم حركة المرور والنقل الجماعي ومناطق المشجعين وتجهيز محيط الملاعب.
كما يقع عليها جانب من تكاليف إعادة تهيئة المنشآت لتتوافق مع متطلبات البطولة.
لكن مداخيل المباراة تعود لفيفا.
وقدر معهد الضرائب والسياسة الاقتصادية الأميركي في تقريره لشهر ديسمبر/كانون الأول الماضي أن تكلفة الاستضافة قد تتراوح بين 100 و200 مليون دولار للمدينة الواحدة، تشمل البنية التحتية والأمن والخدمات اللوجستية.
وهي أموال تحصل عليها المدن من المنح الاتحادية وحكومات الولايات والرعاة واللجان غير الربحية.
وبالتالي هي أموال عامة أو محلية وليست مساهمة مباشرة من فيفا.
ودافعو الضرائب في أميركا يتحملون تكلفة حماية بطولة تذهب إيراداتها التجارية المباشرة إلى فيفا.
وقد خصصت الحكومة الأميركية 625 مليون دولار لمساعدة المدن الأميركية الـ 11 المستضيفة على تمويل الأمن والاستعدادات المرتبطة بالبطولة.
وحصلت هيوستن وحدها على ما يقارب 65 مليون دولار.
وقال رئيس لجنة هيوستن المنظمة كريس كانيتي، في تصريحات لصحيفة" هيوستن كرونيكل" إن" اللجنة تتحمل المسؤولية الكاملة عن إيجاد التمويل اللازم لتغطية التزاماتها، وإن الأموال لا تأتي مباشرة من ميزانيتي المدينة أو المقاطعة.
لكن اعتماد اللجنة على منح الولاية والحكومة الاتحادية يعني أن المال العام يظل جزءاً أساسياً من تمويل البطولة".
أما المدير المالي السابق لمدينة هيوستن، كيلي داو، فقال إن" الفنادق والمطاعم قد تستفيد من الحدث، لكن ذلك لا يعني أن ميزانية المدينة نفسها ستحقق أرباحاً"، معتبراً أن أقصى ما يأمله المسؤولون غالباً هو إنهاء البطولة من دون تسجيل خسارة.
المدن تتنازل عن الضرائب أيضاًلا تقتصر تكلفة الاستضافة على الإنفاق المباشر، بل تشمل الإيرادات التي تتنازل عنها الولايات والمدن من خلال الإعفاءات الضريبية الممنوحة للبطولة.
وقدر معهد الضرائب والسياسة الاقتصادية الأميركي، أن إعفاء تذاكر مباريات ميامي من ضريبة المبيعات قد يحرم ولاية فلوريدا من نحو 7.
4 ملايين دولار.
كما قد تصل خسائر الضرائب الحكومية والمحلية المرتبطة بمباريات أتلانتا إلى 25 مليون دولار.
ولا تشمل هذه التقديرات التذاكر المعاد بيعها عبر منصة فيفا الرسمية لإعادة البيع، والتي قد تُطرح بأسعار أعلى بكثير من السعر الأصلي، وتبقى مع ذلك معفاة من الضرائب.
كان الرد التقليدي على الانتقادات أن إنفاق المشجعين في الفنادق والمطاعم والمتاجر سيعوض التكاليف والإعفاءات الضريبية.
لكن المؤشرات الأولى للبطولة أظهرت أن موجة الزوار لم تصل بالحجم الذي توقعه قطاع السياحة.
وكشفت" رويترز"، الخميس الماضي، أن الفنادق وشركات الطيران الأميركية تواجه طلباً أضعف من المتوقع، بسبب ارتفاع أسعار تذاكر المباريات والسفر، وتعقيد التنقل بين المدن، وصعوبات التأشيرات، إلى جانب زيادة أسعار الرحلات الجوية المرتبطة بتداعيات الحرب في المنطقة.
ووصف رئيس جمعية فنادق مدينة نيويورك فيجاي دانداباني النتائج بأنها" مخيبة للآمال عموماً"، معلناً خفض توقعات الإيرادات الفندقية المرتبطة بكأس العالم بنسبة 60%، إلى نحو 60 مليون دولار.
بينما كانت التوقعات تشير إلى وصول 1.
2 مليون مشجع إلى منطقة نيويورك، لكن دانداباني قال إن" القطاع لم يعد ينتظر أكثر من نصف مليون زائر".
وأمام ضعف الطلب، خفض فندق" نيويورك هيلتون ميدتاون" سعر الغرفة خلال البطولة إلى نحو 415 دولارا لليلة، أي قرابة نصف السعر الذي كان يعرضه في ديسمبر/كانون الأول.
وقالت صحيفة" لوباريزيان" الفرنسية إن" موجة المشجعين التي انتظرها أصحاب الفنادق لم تتحقق".
وتكشف هذه التخفيضات أن بعض الفنادق لم تبن أسعارها الأولى على الطلب الفعلي، بل على افتراض أن المشجع سيقبل دفع أي مبلغ من أجل حضور البطولة.
وعندما اصطدمت هذه الفرضية بتكاليف الطيران والتذاكر والتنقل، اضطر القطاع إلى التراجع.
فندق فاخر وغرف فارغة بجوار ملعب النهائيتبدو الأزمة أكثر وضوحاً في المنطقة المحيطة بملعب" ميتلايف في نيوجيرزي"، الذي يستضيف ثماني مباريات، بينها المباراة النهائية في 19 يوليو/تموز.
فقد حدد فندق" وورلد أوف بلو" سعر الغرفة ليلة النهائي بنحو 2300 دولار، أي ما يقارب سبعة أضعاف السعر المسجل بعد شهر من البطولة.
كما فرض نحو 450 دولاراً مقابل ركن السيارة في ليلة المباراة.
لكن الأسعار المرتفعة لم تتحول إلى حجوزات.
وقالت موظفة الاستقبال ألكسندرا سانتشيث لوكالة رويترز إن" نسبة إشغال الفندق خلال مباريات دور المجموعات تراوحت بين 8% و30%، رغم إنفاق نحو 100 مليون دولار على تجديده وتحويله إلى وجهة فاخرة".
وأضافت أن" 4% فقط من الغرف كانت محجوزة لليلة المباراة النهائية، بينما لم يُحجز سوى مكان واحد في ساحة انتظار السيارات حتى بداية الأسبوع السابق لانطلاق البطولة".
وامتد تضخم الأسعار إلى الفنادق الاقتصادية المحيطة بالملعب، إذ بلغ سعر غرفة في فندق من فئة نجمتين نحو 500 دولار ليلة النهائي، بينما تجاوزت الغرفة في إحدى سلاسل الشقق منخفضة التكلفة 900 دولار.
ونقلت وسائل إعلام أميركية أن بعض الفنادق بدأت تخفيض أسعار مباريات دور المجموعات بعد ضعف الحجوزات، في حين تمسكت فنادق راقية بأسعارها أملاً في وصول طلب متأخر خلال الأدوار الإقصائية.
والكثير من المشجعين أقدموا على تغيير خططهم بعد الارتفاع الجنوني لأسعار الفنادق خاصة في الأسبوع الذي يسبق المباراة النهائية إذ وثقت عدة منصات ارتفاع أسعار الغرف بـ 1667% (من 300 دولار إلى 5300 دولار).
كيف تتحول الغرف الفارغة إلى خسائر عامة؟الغرفة الفندقية الفارغة لا تمثل خسارة للفندق وحده، بل تعني تراجع الضرائب التي كانت المدينة تتوقع تحصيلها من الإقامة والمطاعم والتسوق والنقل.
وكلما انخفض عدد الزوار أو اختصر المشجعون مدة إقامتهم، تقلصت الإيرادات التي استخدمتها السلطات لتبرير إنفاقها على البطولة.
لكن تكلفة الشرطة والنقل والإسعاف وإدارة الحشود لا تنخفض بالنسبة نفسها، لأنها مرتبطة بتنظيم المباريات وليس بعدد الغرف المحجوزة.
وهنا يظهر الخلل الأساسي في تقديرات الأثر الاقتصادي.
فقد بُنيت الحسابات على فرضية وصول أعداد ضخمة من المشجعين وإنفاقهم مبالغ كبيرة داخل المدن.
كما أن النشاط الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحقيق البلدية أرباحاً.
فعندما ينفق المشجع 1000 دولار في فندق أو مطعم، تستفيد الشركة والعمال والموردون، بينما لا تحصل المدينة إلا على نسبة محدودة عبر الضرائب، وقد تكون قد تنازلت عن جزء منها أصلا بسبب اتفاقيات البطولة.
وقد يؤدي المونديال كذلك إلى إبعاد السياح العاديين ورحلات الأعمال والمؤتمرات، بسبب الازدحام وارتفاع الأسعار.
وبذلك يحل مشجعو كرة القدم محل زوار كانوا سيأتون إلى المدينة في الظروف العادية، بدلا من أن يمثلوا زيادة صافية كاملة.
ماذا اختلف عن مونديال 1994؟تزداد الانتقادات عند مقارنة نموذج 2026 بكأس العالم التي استضافتها الولايات المتحدة عام 1994.
فقبل 32 عاما، كانت اللجنة المنظمة الأميركية والمدن أكثر مشاركة في الإيرادات والمخاطر.
وقال روثنبرغ إن" بعض المدن المستضيفة كانت تحصل في 1994 على حصة من إيرادات يوم المباراة، ومنها مبيعات الطعام والمشروبات، بينما تحمل الاتحاد الأميركي لكرة القدم نفقات الأمن في المباريات وجانباً من تكاليف التنظيم".
وساعد هذا النموذج المدن على تحصيل إيرادات تسمح لها بتغطية نفقاتها، وجعل الاستضافة أكثر جاذبية من الناحية المالية.
كما كانت اللجنة الأميركية تسيطر على جانب أكبر من مبيعات التذاكر والحقوق التجارية المحلية.
وانتهى مونديال 1994 بفائض قدر بنحو 50 مليون دولار، بعدما كانت التوقعات الأولية تشير إلى تحقيق نحو 20 مليون دولار، وفق ما أعلنته اللجنة المنظمة ونقلته صحيفة لوس أنجليس تايمز في أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك