روسيا اليوم - خلال 6 ساعات الدفاع الجوي الروسي يسقط 40 مسيرة جوية معادية فوق مناطق البلاد قناة التليفزيون العربي - مذكرة تفاهم تاريخية في توقيت حساس.. ما الذي ستغيره الخطوة في المنطقة والعالم؟ العربي الجديد - تباطؤ زخم عقارات دبي والأسعار ترفض الانكسار رغم التراجع قناة القاهرة الإخبارية - صفقة الـ 300 مليار دولار.. رويترز تكشف البند المالي "السري" في اتفاق واشنطن وطهران الجزيرة نت - من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المونديال؟ رويترز العربية - القيادة العسكرية الإيرانية تحذر إسرائيل من مهاجمة جنوب لبنان رويترز العربية - حزب الله يعتقد أن إيران لن توقع اتفاقا نوويا دون انسحاب إسرائيل قناة التليفزيون العربي - مقر خاتم الأنبياء الإيراني يوجه تحذيرا عاجلا لإسرائيل ويتوعدها برد قاس إذا لم تتوقف عن قصف لبنان قناه الحدث - إيران تتوعد برد قوي إذا لم توقف إسرائيل هجماتها في لبنان قناة القاهرة الإخبارية - من قمة السبع.. السيسي يطرح رؤية مصر لحسم "الملفات العالقة" في الشرق الأوسط
عامة

جزائر المستقبل ... ولماذا تفشل الأمم؟

الشروق أونلاين
الشروق أونلاين منذ 1 ساعة

في كتب الاقتصاد السياسي توجد آلاف الكتب النظرية والعامة التي تبحث في أسس الاقتصاد، لكن مع ذلك تقل تلك المراجع التي تقدم إسقاطا أكاديميا عميقا على أوضاع الدول ومسار الأمم في الجانب التقدمي. وإذا كان جل...

في كتب الاقتصاد السياسي توجد آلاف الكتب النظرية والعامة التي تبحث في أسس الاقتصاد، لكن مع ذلك تقل تلك المراجع التي تقدم إسقاطا أكاديميا عميقا على أوضاع الدول ومسار الأمم في الجانب التقدمي.

وإذا كان جلال أمين، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية، وهو من أبرز أعلام الفكر الاقتصادي العربي، قد دحض فكرة التقدم والتخلف في كتابه “خرافة التقدم والتخلف: العرب والحضارة الغربية في مستهل القرن الواحد والعشرين”، موضحا أن مفهومي التقدم والتخلف يحملان بعدا أيديولوجيا غربيا، وأنهما لا يرتبطان حصرا بالنمو الاقتصادي، فإن نقد الحداثة أوالحضارة الحديثة عموما يتعزز أيضا لدى ألدوس هكسلي في “عالم جديد شجاع” وجورج أورويل في “1984”، من خلال نموذجين يقومان على تشيئ الإنسان وتسليع السعادة من جهة، وعلى السيطرة والمراقبة وأدلجة الوعي عبر اللغة كما يطرح أورويل، مع محو الفرد لصالح السلطة من جهة أخرى.

وإذا كنا وفق كتاب “لماذا تفشل الأمم” لمؤلفيه جيمس روبنسون ودارون عاصم أوغلو، الذي يقدم مقاربة مؤسساتية لفهم مسارات النجاح والفشل، فإن السؤال يظل مطروحا؛ أي معيار نريد وأي مسار يمكن أن تتبناه الجزائر للمستقبل؟ وهل توجد فعلا مقاربات معمقة قادرة على توجيه دفة الاقتصاد والمجتمع نحو مسار متكامل للنهضة كما صاغها المفكر الجزائري مالك بن نبي من خلال الإنسان، التراب، الوقت في كتابه “شروط النهضة”، أم أننا بصدد تركيبات عشوائية ومسارات متعددة لبناء مجتمع فسيفسائي تحكمه التحولات والتحديات؟إشكالية النهضة.

بين الحضارة والاقتصاديظل مفهوم النهضة طرحا إشكاليا في الفكر الحضاري المعاصر، في ظل غياب نظرية نهضوية شاملة قابلة للتطبيق العام، ويتعقد هذا الإشكال مع تعدد المقاربات التي تنظر إلى النهضة بوصفها بناء حضاريا مركبا، في مقابل النماذج الاقتصادية التقنية التي تختزل التنمية في مؤشرات النمو والإنتاجية، كما تطرح مقاربات العلوم السياسية العميقة سؤالا جوهريا حول طبيعة التنمية؛ هل هي عملية تصميم عقلاني واع تنتجها الدولة والنخب، أم مسار تراكمي تاريخي غير مخطط يتشكل عبر الزمن؟ وهو السؤال الجوهري الذي يفتح المجال لإعادة التفكير في العلاقة بين التفوق المادي التقني والتفوق الحضاري، بوصفهما مسارين قد يتقاطعان دون أن يتطابقا بالضرورة.

وفي هذا السياق، يمكن استحضار مقاربة زيغريد هونكه في كتابها “شمس العرب تسطع على الغرب”، التي أبرزت البعد الحضاري غير المرئي في تشكل التفوق التاريخي، من خلال انتقال المعرفة والعلوم عبر الوسائط الحضارية المختلفة، وليس عبر القوة المادية وحدها، من الشرق للغرب، غير أن التحليل الأكثر عمقا يتجلى في مشروع مالك بن نبي، الذي أسس لمفهوم المنظومة الحضارية الكلية، حيث لا يختزل الإنسان في كونه كائنا اقتصاديا، بل يفهم باعتباره كائنا حضاريا يعيش داخل شبكة ثلاثية الأبعاد تتمثل في الإنسان، التراب، والوقت، وفي هذا الإطار، يصبح التخلف ليس مجرد تأخر اقتصادي، بل تعطلا في الدورة الحضارية نفسها، ناتجا عن خلل في الأفكار والقيّم ومستوى الفاعلية الاجتماعية، وهو ما فصله في كتابه “مشكلة الثقافة”.

في المقابل، تقدم المقاربة المؤسسية لدى دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون تفسيرا مختلفا، يتمحور حول دور المؤسسات السياسية والاقتصادية في تشكيل مسارات التنمية، عبر التمييز بين المؤسسات الشاملة والمؤسسات الإقصائية، فالمؤسسات الشاملة، بما توفره من توسيع للمشاركة السياسية وتوزيع أوسع للفرص واحتواء للنخب، تميل إلى إنتاج بيئات محفزة على الابتكار والنمو، بينما تؤدي المؤسسات الإقصائية إلى تركيز السلطة والثروة وإعادة إنتاج التخلف البنيوي، غير أن الحالة الصينية تفرض تجاوز هذا التقسيم الثنائي التقليدي، لصالح مقاربة أكثر تركيبية تُعرف في الأدبيات الحديثة بمفهوم الاستمرارية المؤسسية الصينية، فالصين لم تقم قطيعة كاملة مع تاريخها الإمبراطوري، بل إعادة تركيب له داخل بنية دولة حديثة يقودها حزب مركزي.

فمنذ العهد الإمبراطوري، قامت الدولة الصينية على منطق الجدارة البيروقراطية، الذي تجسد في نظام الامتحانات الإمبراطورية، حيث يتم اختيار النخب الإدارية بناء على الكفاءة والمعرفة بالنصوص الكلاسيكية، وليس على الوراثة الأرستقراطية، وقد شكل هذا النظام أحد أهم آليات إنتاج دولة مركزية قوية ومستقرة تاريخيا.

ومع تأسيس الدولة الصينية الحديثة تحت قيادة الحزب الشيوعي، لم يتم التخلي عن هذا المنطق، بل أعيد توظيفه داخل بنية حزبية حكومية حديثة، فبدلا من الامتحان الإمبراطوري الكلاسيكي، تم تطوير نظام تراتبية حزبية قائم على تقييم الأداء، والإنجاز الاقتصادي، والقدرة الإدارية، وهو ما يمكن اعتباره استمرارا مُحوّلا لمنطق الجدارة الإمبراطوري داخل الدولة الحديثة، وفي هذا الإطار، يمكن فهم إصلاحات دنغ شياو بينغ، خاصة سياسة الإصلاح والانفتاح، بوصفها لحظة إعادة توجيه لهذا الإرث المؤسسي، حيث تم إدماج منطق السوق دون تفكيك البنية السياسية المركزية، وقد سمح هذا التزاوج بين الاستمرارية التاريخية والابتكار المؤسسي بإنتاج نموذج تنموي غير ليبرالي في أدواته السياسية، لكنه عالي الفاعلية في نتائجه الاقتصادية والتكنولوجية.

وقد أدى ذلك إلى تفاعل فكري مع بعض المنظرين العالميين، مثل ألفين توفلر في كتابه “الموجة الثالثة”، الذي استقدمه الوزير الأول الصيني الأسبق زهاو زيانغ لإلقاء محاضرات أمام إطارات الحزب الشيوعي حول الثورة التكنولوجية، وقد قدم توفلر تصورات استشرافية حول تحولات المعرفة والتكنولوجيا، جرى استيعابها داخل النقاش الاستراتيجي الصيني، دون أن يحدث ذلك قطيعة مع البنية المؤسسية القائمة.

ويُقارب هذا المسار التحليلي أيضا ما يطرحه دانييل بيل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تسينغهوا في الصين والجامعة الوطنية في سنغافورة، في كتابه “نموذج الصين: الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية”، حيث يناقش طبيعة النظام السياسي الصيني بوصفه نموذجا يقوم على الجدارة السياسية أكثر من اعتماده على الديمقراطية التمثيلية، مع ما يترتب عن ذلك من حدود نظرية للنموذج الديمقراطي الكلاسيكي.

غير أن أهمية النموذج الصيني بالنسبة للدول النامية لا تكمن في إمكانية استنساخه حرفيا، بل في الدرس المنهجي الذي يقدمه، والمتمثل في قدرة الأمم على بناء نماذجها الخاصة انطلاقا من تاريخها وثقافتها ومؤسساتها الوطنية، فالصين لم تصبح قوة عالمية لأنها تبنت وصفات جاهزة، بل لأنها استطاعت المواءمة بين خصوصيتها الحضارية ومتطلبات العصر، وهو ما يطرح بالنسبة للجزائر سؤالا جوهريا حول طبيعة النموذج التنموي والسياسي القادر على تحقيق الإقلاع الوطني في القرن الحادي والعشرين.

الجزائر بين الريع والدولة التنمويةإذا كانت المقاربة الحضارية لدى مالك بن نبي قد ربطت النهضة بقدرة المجتمع على تحويل الإنسان والتراب والوقت إلى عناصر فاعلة داخل الدورة الحضارية، وإذا كانت المقاربة المؤسسية لدى دارون عاصم أوغلو وجيمس روبنسون قد أولت أهمية مركزية للمؤسسات السياسية والاقتصادية في تفسير نجاح الأمم أو فشلها، فإن أدبيات “الدولة التنموية” تفتح زاوية تحليلية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في دور الدولة ذاتها بوصفها فاعلا استراتيجيا في قيادة التحول الاقتصادي والتكنولوجي.

وتبرز في هذا السياق أعمال تشالمرز جونسون، خاصة في كتابه ” MITIوالمعجزة اليابانية”، حيث قدم تفسيرا مغايرا للتفسيرات الليبرالية التقليدية التي تعزو النجاح الاقتصادي إلى الأسواق وحدها، فقد أظهر جونسون أن صعود اليابان لم يكن نتيجة الانسحاب التدريجي للدولة من الاقتصاد، بل ثمرة وجود بيروقراطية استراتيجية عالية الكفاءة قادرة على توجيه الاستثمار، وتحديد الأولويات الصناعية، وحماية القطاعات الناشئة إلى غاية بلوغها القدرة التنافسية الدولية.

وقد تطور هذا النقاش لاحقا مع الاقتصادي الكوري الجنوبي هاجون تشانغ في كتابه “ركل السلم” وكتاب “الدولة التنموية”، حيث انتقد السردية الليبرالية التي تدعو الدول النامية إلى فتح أسواقها بصورة كاملة قبل بناء قدراتها الإنتاجية، ويرى تشانغ أن معظم الدول الصناعية الكبرى، بما فيها بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا، لم تحقق نهضتها عبر التحرير الاقتصادي المطلق، بل من خلال سياسات حمائية ذكية وتدخلات حكومية استراتيجية سمحت ببناء قاعدة صناعية وطنية قوية قبل الانفتاح الكامل على المنافسة الدولية.

وتلتقي هذه الأطروحات مع ما طرحته الباحثة أليس أمسدن في كتابها “الصعود الآسيوي القادم”، حيث أوضحت أن التجارب الآسيوية الناجحة لم تعتمد فقط على آليات السوق، بل على شراكة معقدة بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والبحثية، فالدولة التنموية ليست دولة تسيطر على الاقتصاد بصورة مطلقة، وليست أيضا دولة تنسحب منه كليا، بل دولة تمتلك رؤية استراتيجية طويلة المدى وقدرة مؤسسية على توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر إنتاجية.

وعند إسقاط هذه المقاربات على الحالة الجزائرية، تتجاوز الإشكالية مجرد الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، لتصبح مرتبطة بطبيعة الدولة القادرة على إدارة هذا التحول، فالسؤال المركزي لا يتمثل فقط في كيفية تنويع الاقتصاد، بل في الكيفية التي يمكن من خلالها بناء مؤسسات استراتيجية قادرة على قيادة التصنيع، وتحفيز الابتكار، وربط الجامعة بالمؤسسة الاقتصادية، وتحويل الموارد الطبيعية إلى رافعة لبناء اقتصاد المعرفة.

ومن هذا المنظور، لا تبدو الثروة الطاقوية هدفا في حد ذاتها، وإنما وسيلة تاريخية لتمويل الانتقال نحو نموذج اقتصادي أكثر تعقيدا، فالتجارب المقارنة تؤكد أن الأمم لا تحقق الإقلاع التنموي المستدام عندما تكتفي بتصدير المواد الأولية، وإنما عندما تنجح في بناء سلاسل قيمة صناعية وتكنولوجية تجعل المعرفة والإنتاجية المصدر الرئيسي للثروة.

وهنا تكتسب أفكار مالك بن نبي بعدا جديدا؛ فالمشكلة لا تتعلق فقط بتوفر الموارد أو المؤسسات، بل بقدرة المجتمع والدولة معا على إنتاج الفعالية الحضارية، فكما أن التخلف عند بن نبي هو حالة تعطّل في القابلية الحضارية، فإن التنمية وفق أدبيات الدولة التنموية ليست مجرد تراكم اقتصادي، بل قدرة جماعية على تنظيم المعرفة والموارد والمؤسسات داخل مشروع وطني طويل المدى.

وبذلك يصبح السؤال المتعلق بمستقبل الجزائر أقرب إلى سؤال استراتيجي حول طبيعة الدولة التي تحتاجها مرحلة التحول المقبلة، هل هي دولة توزيع وإدارة للريع، أم دولة تنموية قادرة على إنتاج الثروة والمعرفة والتكنولوجيا؟ وهو سؤال لا يتعلق بالاقتصاد وحده، بل بمكانة الجزائر داخل النظام الدولي المقبل، وبقدرتها على الانتقال من موقع المستهلك للمنتجات التقدم إلى موقع المساهم في إنتاجها.

إشكالية النخب والجدارة.

من يحكم مسار النهضة؟تحتل مسألة النخب موقعا مركزيا في مختلف الأدبيات التي حاولت تفسير صعود الأمم وانحدارها، إذ نادرا ما تُختزل أسباب النجاح أو الفشل في الموارد أو المؤسسات وحدها، بقدر ما ترتبط أيضا بطبيعة النخب التي تتولى إدارة هذه الموارد والمؤسسات، ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم التحولات الكبرى التي شهدتها الدول الناجحة دون التوقف عند آليات إنتاج النخب وتجديدها وإعادة تدويرها داخل المنظومة السياسية والإدارية والاقتصادية.

وقد تناول عالم الاجتماع والاقتصاد الإيطالي فيلفريدو باريتو هذه المسألة من خلال نظريته المعروفة بـ “دورة الصفوة” أو “تداول النخب”، حيث اعتبر أن استقرار المجتمعات يرتبط بقدرتها على تجديد نخبها بصورة مستمرة، وأن الأزمات تبدأ عندما تتحول النخب الحاكمة إلى دوائر مغلقة تفقد تدريجيا قدرتها على الاستيعاب والتجدد.

كما قدم غايتانو موسكا في كتابه “الطبقة الحاكمة” تصورا مشابها عندما اعتبر أن التاريخ السياسي هو في جوهره تاريخ الأقلية المنظمة التي تقود الأغلبية، غير أن فعالية هذه الأقلية تبقى رهينة بقدرتها على المحافظة على الكفاءة والشرعية في آن واحد.

وفي سياق مختلف، أعادت التجربة الصينية إحياء النقاش حول الجدارة السياسية باعتبارها أحد الأسس المنظمة للعلاقة بين الدولة والنخبة، فكما يشير دانييل بيل في كتابه “نموذج الصين: الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية”، فإن جزءا مهما من استقرار النظام الصيني وفعاليته يعود إلى منظومة متدرجة لتقييم الكفاءات الإدارية والسياسية، تقوم على الأداء والخبرة والقدرة على إدارة الملفات المعقدة، وهو ما يمثل امتدادا تاريخيا لفكرة الجدارة التي عرفتها الصين منذ نظام الامتحانات الإمبراطورية.

وفي المقابل، تناول مايكل يونغ في كتابه الشهير “صعود الجدارة” أو “الميريتوقراطية” مفارقة مختلفة، إذ حذر من أن الجدارة نفسها قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الامتيازات إذا لم تقترن بتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وهو ما يجعل النقاش حول النخب أكثر تعقيدا من مجرد البحث عن الكفاءة التقنية أو التحصيل العلمي.

وعند إسقاط هذه المقاربات على الحالة الجزائرية، تظهر إشكالية النخبة بوصفها أحد التحديات المركزية المرتبطة بمستقبل التنمية وبناء الدولة، فالسؤال لا يتعلق فقط بوجود الكفاءات، إذ أثبتت التجربة الجزائرية داخل الوطن وخارجه وفرة الرصيد البشري والعلمي، وإنما يتعلق بقدرة المؤسسات على اكتشاف هذه الكفاءات واستقطابها وتوظيفها داخل دوائر صنع القرار والإدارة والإنتاج المعرفي والاقتصادي.

ومن هذا المنظور، تصبح النهضة أكثر من مجرد مشروع اقتصادي أو برنامج حكومي؛ إنها عملية مستمرة لإنتاج النخب وتجديدها على أساس الكفاءة والفعالية (النتائج) والمسؤولية، فقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تنجح ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الموارد، وإنما تلك التي تنجح في تحويل رأس مالها البشري إلى قوة مؤسسية قادرة على التخطيط والابتكار والتكيف مع التحولات التاريخية، أما حين تنفصل مواقع المسؤولية عن معايير الجدارة والإنجاز، فإن المؤسسات تدخل تدريجيا في حالة من الجمود تفقد معها قدرتها على التجدد وإنتاج الحلول.

وفي هذا الإطار، يبدو الاستثمار في الإنسان، كما ذهب إلى ذلك مالك بن نبي، أكثر من مجرد سياسة اجتماعية؛ إنه استثمار في العنصر الوحيد القادر على تحويل التراب والوقت والموارد إلى مشروع حضاري متكامل، ولذلك فإن مستقبل الجزائر لا يرتبط فقط بما تمتلكه من إمكانات مادية، بل بقدرتها على بناء منظومة مؤسساتية تجعل من الكفاءة والجدارة معيارا لإعادة إنتاج النخب وقيادة مسار التنمية في العقود المقبلة.

جزائر المستقبل …أي نموذج أو مسار؟دائما ما أطرح، كلما توقفت عند تجربة اقتصادية ناجحة أو تحول حضاري عميق، السؤال ذاته: وماذا عن الجزائر؟ وبعد استعراض مختلف المقاربات الفكرية والتنموية، يتضح أن أيا منها لا يمتلك وحده القدرة على تفسير صعود الأمم أو رسم طريق النهضة.

فالتاريخ يعلمنا أن نجاح الدول لا يختزل في عامل واحد، فلا الثروة وحدها تكفي، ولا المؤسسات وحدها تفسر النجاح، ولا التكنولوجيا أو الثقافة بمفردهما تصنعان التقدم، بل إن التجارب التاريخية الكبرى تكشف أن نهضة الأمم كانت دائما ثمرة تفاعل معقد بين الإنسان والمؤسسات والمعرفة والاقتصاد والقيم والقدرة على التكيف مع التحولات.

ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه هو أن النجاح لا يتحقق بامتلاك عنصر من عناصر القوة، وإنما بالقدرة على تحقيق الانسجام والتوازن بينها ضمن مشروع وطني واضح المعالم والأهداف.

ومن هذا المنظور، لا يطرح مستقبل الجزائر سؤال النموذج الذي ينبغي استنساخه، بقدر ما يطرح سؤال الخيارات الاستراتيجية التي ينبغي حسمها، فقبل البحث في معدلات النمو أو أشكال التنظيم الاقتصادي، يظل الرهان الحقيقي مرتبطا ببناء مجتمع منتج للمعرفة، ومؤسسات قادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، ونخب تمتلك الكفاءة والرؤية اللازمة لقيادة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، فالتجارب التاريخية تؤكد أن الثروة لا تصنع النهضة بمفردها، وإنما تصنعها القدرة على توظيف الثروة والمعرفة والمؤسسات ضمن مشروع وطني متكامل يمتلك رؤية للمستقبل وإرادة لتحقيقها.

وربما لهذا السبب ظل مالك بن نبي يضع الإنسان في قلب معادلة النهضة؛ لأن الثروة قد تشترى، والتكنولوجيا قد تنقل، والمؤسسات قد تستورد، أما القدرة على صناعة الحضارة فلا يمكن أن تستعار من أحد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك