في سجلّ الحركات الوطنية بالمغرب خلال ستينيات القرن الماضي، يبرز اسم محمد إبراهيم بصير، بوصفه أحد الوجوه المرتبطة بالحراك السياسي في الأقاليم الجنوبية، قبل أن تنتهي سيرته عند محطة غامضة في أعقاب أحداث مدينة العيون عام 1970.
أكثر من خمسين عامًا مرت على أحداث مدينة العيون عام 1970، وما يزال اسم محمد بصير يثير جدلًا تاريخيًا وسياسيًا ممتدًا بين روايات تتحدث عن اعتقاله واختفائه في ظروف غامضة، وأخرى ترى أن الملف ما زال يفتقر إلى حسم أرشيفي نهائي.
وبين الذاكرة الشفوية وغياب الوثائق الرسمية المنشورة، يتحول مصيره إلى أحد أكثر الملفات التاريخية إرباكًا في تاريخ الأقاليم الجنوبية.
في ليلة الثامن عشر من يونيو عام 1970، انطوت صفحة جسده خلف قضبان الاحتلال الإسباني، محمد إبراهيم بصير، ذلك الشاب الفذ الذي لم يتجاوز حينها الثامنة والعشرين من عمره.
بين نشأة صوفية زاهدة في جبال أقليم أزيلال، وتكوين علمي رصين، ومصير غامض خلف أسوار المحتل، يمتد مسار مناضل وطني تصر عائلته والزاوية البصيرية بالمغرب على صون تاريخه من النسيان ومن محاولات التزييف والتوظيف الأيديولوجي.
من جبال أزيلال إلى قاهرة المعز.
تكوين الوعي القوميلم يكن محمد بصير مناضلاً وليد الصدفة، بل كان نتاج بيئة علمية وروحية عريقة؛ حيث وُلد عام 1942 في" الزاوية البصيرية" بإقليم أزيلال بالمغرب، لأسرة تنحدر أصولها التاريخية من قبائل الرقيبات بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
في هذه الوهاد تشرَّب قيم الوطنية وحفظ القرآن الكريم وتلقى مبادئ العلوم الشرعية.
ولم يقف طموحه عند حدود التعليم العتيق، بل قادته رحلته العلمية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلى حواضر المشرق العربي، وتحديداً إلى مصر وسوريا، حيث درس الشريعة الإسلامية والعلوم السياسية.
وفي القاهرة، عاصمة العروبة، عاصر بصير أوج حركات التحرر الوطني ومرحلة المد القومي العربي، فنهل من فكرها التحرري وعاد إلى المغرب متسلحاً بالوعي، ومؤسساً وعاملا بالاشتراك مع زملائه بجريدة" الشموع" عام 1966 كمنبر إعلامي بارز للدفاع عن الهوية الوطنية ومقاومة المحتل.
*" انتفاضة الزملة".
عندما واجه السلم رصاص المحتل*أدرك بصير مبكراً أن مواجهة الاستعمار تتطلب تنظيماً واعياً؛ فانتقل إلى الأقاليم الجنوبية متخفياً بين السمارة والعيون، ليؤسس" الحركة الطليعية لتحرير الصحراء".
وفي 17 يونيو 1970، قاد بصير آلاف الصحراويين في انتفاضة شعبية عارمة بحي" الزملة" الشهير بمدينة العيون.
وبحسب الوثائق الرسمية والموثقة للزاوية البصيرية، كانت مطالب الحركة السلمية واضحة ومبدئية: رفض مخططات التجنيد والتجنيس الإسبانية، المطالبة بالحرية، والتمسك بالروابط التاريخية والوحدة الترابية للمنطقة.
غير أن رد فعل الإدارة الاستعمارية الإسبانية جاء غاشماً؛ إذ أطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين العزل، مما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، وانتهى المشهد بوحشية عبر اعتقال بصير في الليلة الموالية، ليدخل منذ ذلك التاريخ نفق" الاختفاء القسري" المظلم والمستمر لـأكثر من نصف قرن.
الحقيقة الضائعة والرد على مغالطات التاريختخوض عائلة المناضل اليوم، من خلال" مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام"، معركة قانونية وتاريخية شرسة لاستعادة الحقيقة كاملة.
وتشدد الزاوية البصيرية في منطلقاتها الرسمية على نقطتين جوهريتين:1.
مسئولية مدريد التاريخية: تحميل الدولة الإسبانية المسؤولية الأخلاقية والقانونية كاملة للكشف عن مصير بصير، ومطالبتها بفتح أرشيفها الاستعماري السري لإماطة اللثام عن مكان قبره أو حقيقة تصفيته سراً.
2.
حدوية النضال ومغربيته: تفنيد وبطلان ادعاءات جبهة" البوليساريو" الانفصالية التي تحاول توظيف صورته كأب روحي لها.
وتؤكد العائلة بالوثائق الدامغة أن حركته أُسست وطُمست قبل ظهور الجبهة بسنوات، وأن فكره كان وحدوياً وطنياً خالصاً ينطلق من الولاء التاريخي لآل البصير للمملكة والعرش العلوي.
أكثر من خمسة عقود مرت على غياب محمد بصير، ولا يزال في وجدان عائلته وأبناء وطنه" الشهيد الحي" الذي لم يمتلك ترسانة عسكرية، بل امتلك وعياً وطنياً وقومياً هز أركان الاستعمار.
لكن ما يحيط بهذا الاسم لا يتعلق فقط بسيرته، بل بما تلاها من سؤال لم يجد إجابة نهائية: ماذا حدث له بعد اعتقاله في يونيو 1970؟تتقاطع الروايات عند نقطة واحدة تقريبًا: أحداث احتجاجية في مدينة العيون انتهت باعتقالات واسعة، كان من بينها اعتقال محمد بصير.
غير أن ما بعد الاعتقال ظل منطقة رمادية تتنازعها الشهادات المحلية، والروايات العائلية، والقراءات التاريخية غير المتطابقة.
وبين من يرجح وفاته في ظروف غير معلنة داخل أماكن الاحتجاز، ومن يشدد على غياب الوثائق الرسمية المنشورة التي تحسم الرواية، يبقى الملف مفتوحًا على سؤال واحد لم يُغلق: هل كتب التاريخ نهاية محمد بصير… أم أن نهايته ما تزال غير مكتوبة حتى الآن؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك