كشف كتاب جديد للمؤرخ والصحفي الفرنسي مورني بيكار عن مفارقة تتكرر باستمرار في التاريخ السياسي والعسكري الحديث، مفادها أن أجهزة الاستخبارات كثيرا ما تنجح في استشراف الأخطار والكوارث المقبلة، لكن صناع القرار يتجاهلون تحذيراتها أو يرفضون تصديقها، لتقع الأحداث بعد ذلك بالشكل الذي تنبأت به التقارير الاستخبارية.
بهذه المقدمة افتتحت مجلة لوبوان الفرنسية مقالا بقلم رومان غوبير، استعرض فيه كتاب بيكار" عندما كانت أجهزة الاستخبارات على حق"، حيث عرض المؤلف سلسلة من الأزمات والحروب التي كان من الممكن الحد من آثارها أو حتى تجنبها بالكامل لو أن القادة السياسيين والعسكريين أولوا اهتماما أكبر للمعلومات التي كانت متاحة لديهم.
list 1 of 24 احتمالات تضعها الصحف العالمية لفشل أو نجاح الاتفاق الأمريكي الإيرانيlist 2 of 2إندبندنت: ترمب سخر من حلفائه في أوروبا وكندا ثم جمعت بينهم إيفيانوانطلق الكتاب -حسب المقال- من واحد من أشهر الإخفاقات الاستخبارية الظاهرية في القرن الـ20، وهي الهجوم الألماني على الاتحاد السوفياتي عام 1941، حين تلقت موسكو تحذيرات متتالية من شبكة واسعة من العملاء السريين المنتشرين في أوروبا وآسيا، قبل بدء عملية بارباروسا (الاسم الرمزي للغزو النازي لروسيا)، لكن لم يتم التعامل بشكل جدي.
وكان الجاسوس الشهير ريتشارد سورج قد نقل معلومات دقيقة عن نوايا ألمانيا النازية، غير أن الزعيم السوفياتي وقتها جوزيف ستالين رفض تصديق تلك التقارير، مقتنعا بأن الزعيم الألماني أدولف هتلر لن يفتح جبهة جديدة ضد بلده في ذلك التوقيت، فكانت النتيجة أن اجتاحت القوات الألمانية الأراضي السوفياتية في واحدة من أكبر العمليات العسكرية في التاريخ.
ويؤكد المؤلف أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل في رفض القيادة السياسية التعامل مع الحقائق التي تتعارض مع قناعاتها المسبقة، وهو نمط تكرر أيضا في فرنسا قبيل الغزو الألماني عام 1940، كما أورد المقال.
فقد حصلت باريس قبيل الغزو الألماني على وثائق عسكرية ألمانية بالغة الأهمية بعد سقوط طائرة ألمانية في بلجيكا كانت تحمل خططا تفصيلية للهجوم النازي على أوروبا الغربية.
تناول الكتاب كذلك الهزيمة الفرنسية في معركة ديان بيان فو عام 1954، التي شكلت نقطة تحول تاريخية أنهت النفوذ الاستعماري الفرنسي في الهند الصينيةومع ذلك، تمسكت القيادة الفرنسية بقناعاتها القديمة المستمدة من تجربة الحرب العالمية الأولى -حسب الكتاب- وافترضت أن الهجوم الرئيسي سيأتي عبر بلجيكا كما حدث عام 1914، وتجاهلت احتمال عبور القوات الألمانية عبر غابات الأردين، التي اعتُبرت آنذاك منطقة غير صالحة للحرب.
وعندما وقع الهجوم الفعلي من ذلك المحور، انهارت الدفاعات الفرنسية بسرعة غير متوقعة.
وتناول الكتاب كذلك الهزيمة الفرنسية في معركة ديان بيان فو عام 1954، التي شكلت نقطة تحول تاريخية أنهت النفوذ الاستعماري الفرنسي في الهند الصينية، إذ تشير الوثائق التي يستند إليها المؤلف، إلى أن الاستخبارات الفرنسية قد رصدت بدقة التحركات العسكرية لقوات الفيت مينه بقيادة الجنرال فو نغوين جياب، وحذرت من حجم التعزيزات والاستعدادات الجارية حول الموقع الفرنسي المحاصر.
تجاهل التحذيرات الميدانيةوأشار الكاتب إلى أنه، حتى قائد القوات الفرنسية هنري نافار أبدى شكوكا متزايدة بشأن فرص النجاح، لكن القيادة العسكرية الفرنسية استمرت في خطتها الأصلية مدفوعة بالثقة المفرطة، متجاهلة الوقائع التي كانت تتكشف أمامها، لتنتهي المعركة بهزيمة مدوية.
وفي تناوله للأحداث المعاصرة، خصص المؤلف مساحة واسعة لصعود" تنظيم الدولة" في العراق وسوريا، واعتبر أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس السابق باراك أوباما أخطأت في تقدير حجم التهديد الذي يمثله التنظيم في مراحله الأولى.
وتوقف الكتاب أيضا عند هجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو الحدث الذي أثار نقاشا واسعا داخل إسرائيل بشأن أداء الأجهزة الأمنية والاستخبارية.
ويرى المؤلف أن المشكلة لم تكن في غياب المعلومات، بل في تجاهل التحذيرات القادمة من الميدان.
المؤلف أكد أن التطور التكنولوجي الهائل الذي شهدته أجهزة الاستخبارات خلال العقود الأخيرة، من أقمار صناعية إلى أنظمة تنصت وخوارزميات متقدمة، لم يلغِ هذه المشكلة الأساسيةالفشل لا يبدأ من غياب المعلوماتوخلص المؤلف إلى أن العامل المشترك بين هذه الإخفاقات التاريخية لا يتمثل في ضعف أجهزة الاستخبارات أو نقص المعلومات، بل في العوامل النفسية والسياسية التي تدفع القادة إلى رفض الحقائق التي تتعارض مع تصوراتهم المسبقة.
وانتهى المقال إلى أن التحيزات الذهنية، والثقة الزائدة بالنفس، والصراعات البيروقراطية، والرغبة في الحفاظ على الروايات السياسية السائدة، كلها عوامل تجعل صناع القرار أقل استعدادا للاستماع إلى التحذيرات غير المرغوب فيها.
وأكد المؤلف أن التطور التكنولوجي الهائل الذي شهدته أجهزة الاستخبارات خلال العقود الأخيرة، من أقمار صناعية إلى أنظمة تنصت وخوارزميات متقدمة، لم يلغِ هذه المشكلة الأساسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك