صحيح أن حالةً من التفاؤل دبّت في أسواق الاقتصاد العالمي مع قرب توقيع اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، يتم بموجبه طيّ صفحة الحرب في منطقة الشرق الأوسط واستعادة الاستقرار الإقليمي، وصحيح أن نفط وغاز الخليج وإيران والعراق بدأ يعرف طريقه إلى أسواق العالم مع فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري الأميركي على إيران، وصحيح أن قطر تخطط لاستئناف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بسرعة بعد إعادة فتح المضيق، مستهدفةً استعادة معظم طاقتها التصديرية من مشتقات الطاقة خلال شهرين، وهو خبر مهم لأسواق الطاقة العالمية.
لكن في المقابل ورغم اعتبارات أخرى فإن استعادة الاقتصاد العالمي عافيته وقوته ونشاطه تحتاج إلى وقت أطول وجهد أكبر، خاصة أننا نتحدث عن حرب مثلت زلزالاً اقتصادياً وأمنياً عنيفاً لمنطقة الشرق الأوسط وفي المقدمة إيران ودول الخليج وإسرائيل، وخسائر تتجاوز التريليون دولار، وهددت اقتصادات ما يزيد عن 10 دول بالمنطقة.
فحتى لو جرى توقيع الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، فإن العالم، اقتصاده وأسواقه وأنشطته المختلفة وممراته المائية ومضايقه، سيكون على بعد مسافات طويلة من التعافي والاستقرار ولمّ الجراح وتوديع الخسائر الضخمة والأزمات التي ألمت به في الأسابيع الأخيرة، في ظل استمرار تزايد الضغوط بكل أشكالها، والمرور بمرحلة حرجة من التضخم وتباطؤ النمو وإعادة تشكيل التحالفات التجارية من قبل الاقتصادات الكبرى.
الأضرار التي ألحقتها الحرب على إيران بالمنشآت النفطية الخليجية تحتاج إلى وقت ومبالغ ضخمة لإصلاحها وإعادة دورة عجلة الإنتاج والتصدير كاملةفالأضرار التي ألحقتها الحرب على إيران بالمنشآت النفطية الخليجية تحتاج إلى وقت ومبالغ ضخمة لإصلاحها وإعادة دورة عجلة الإنتاج والتصدير كاملة، وبالتالي فإن إعادة الاستقرار لأسواق الطاقة في الاقتصاد العالمي لن تكون بالشكل السريع حتى لو أعيد فتح مضيق هرمز وسُمح بتدفق النفط الخليجي المحبوس منذ بداية مارس/آذار الماضي نحو الأسواق العالمية وزيادة الكميات المنتجة سواء من قبل منظمة أوبك أو تحالف أوبك + أو منتجين مستقلين مثل الإمارات.
وإزالة حالة الغموض واللايقين من أجندة المستثمرين في دول الخليج بحاجة إلى وقت لاستيعاب صدمة ما جرى منذ نهاية فبراير/شباط الماضي والتكيف معها، خاصة أن تلك المنطقة انتقلت سريعاً من حالة الاستقرار الملحوظ على كل المستويات السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي نعمت بها لعقود طويلة إلى حالة الاضطرابات والصدمات العسكرية والحرب المفتوحة والصواريخ والمسيرات المتطايرة في سماء دولها.
وحسْم ملف الرسوم في مضيق هرمز التي تسعى إيران لفرضها على سفن النفط والغاز لا يزال مسألة شائكة، في ظل تضارب التصريحات الصادرة عن العاصمتين الأميركية والإيرانية، فطهران تؤكد فرض رسوم مرور والدخول في شراكة مع سلطنة عُمان لإدارة المضيق، في حين تنفي واشنطن هذا الأمر بشكل قاطع على لسان دونالد ترامب الذي أكد أن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة سيتم من دون رسوم عبور.
أما قضية التضخم فإنها تمثل تحدياً كبيراً أمام الاقتصادات الكبرى، خاصة أنها تنتقل بسرعة من أسواق دولة لأخرى، ونادراً ما تفلت دولة من هذا الداء القاتل للاقتصادات والأسواق والعملات المحلية، وهو ما قد يعيد شبح الركود والنمو السلبي والفائدة المرتفعة وتعمق أزمات الغلاء والبطالة والإفلاس والفقر.
المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية لا تزال تهيمن على العالم، في ظل استمرار حرب أوكرانيا واحتمالية عودة دونالد ترامب لتهديد دول أخرىوالمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية لا تزال تهيمن على العالم، في ظل استمرار حرب أوكرانيا واحتمالية عودة دونالد ترامب لتهديد دول أخرى، منها كندا والدنمارك وبنما وفنزويلا وغرينلاند، ومن هنا جاءت توقعات البنك الدولي بتراجع معدل النمو إلى 2.
5% للعام الجاري، وهو أدنى مستوى منذ تفشي كورونا في عام 2020.
كما أن فصل الصيف بدأ، وهو ما قد يعني زيادة الطلب على مشتقات الطاقة والوقود من بنزين وسولار وغاز وكهرباء، وإذا ما أقدمت أوروبا على فرض حظر شامل على الغاز والنفط الروسيين بحلول عام 2027 فإنها بذلك تلقي أسواقها ومواطنيها وقطاعها الصناعي والإنتاجي والزراعي في أتون الغلاء.
توقيع اتفاق إنهاء الحرب سيعني هدنة للجميع، الدول المتحاربة، وأسواق الطاقة والمعادن والتجارة، والتقاط أنفاس المستثمرين والحكومات، وعودة الحركة للمطارات ونشاط السياحة والسفر، وقد نشهد تحسناً في أسعار السلع الغذائية من حبوب وغيرها، وكذا في أوضاع سلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية، لكن في المقابل فإن هناك تحديات أمنية واقتصادية أخرى لا تزال تواجه الاقتصاد العالمي، منها استمرار حرب أوكرانيا وفقاعات الديون والذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة وتغير المناخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك