عمان - لا يبدو أن ما يجري بين الأردن وسورية مجرد تطور في العلاقات الثنائية، بقدر ما هو اختبار عملي لمسار إقليمي أوسع يعاد تشكيله بهدوء، يقوم على إعادة وصل ما انقطع بين دول الجوار وإعادة تعريف وظيفة الحدود من خطوط فصل إلى مسارات عبور للمصالح.
اضافة اعلانوفي هذا السياق، يصبح محتوى البيان الأردني السوري المشترك قبل أيام، انعكاساً لاتجاه عام أكثر من كونه حدثاً مستقلاً، حيث تتقدم مقاربة التعاون التدريجي على حساب إرث القطيعة السياسية الممتدة في المنطقة.
وشهدت العلاقات الأردنية السورية المشتركة خلال المرحلة الأخيرة، حراكاً مؤسسياً متصاعداً تجسد في سلسلة لقاءات رسمية رفيعة المستوى بين الجانبين، توجت أخيراً باجتماع موسع في دمشق، ضم وزراء ومسؤولين معنيين بقطاعات الاقتصاد والنقل والجمارك والمياه والطاقة والاستثمار.
ووفق مؤشرات خبراء في الشأن السياسي والإستراتيجي، أكدوا لـ" الغد"، أن هذا المسار يعكس تحولاً في فلسفة العلاقات الإقليمية ذاتها، من إدارة الأزمات السياسية إلى إدارة التداخلات الاقتصادية والأمنية والبيئية التي فرضتها الجغرافيا المشتركة.
وعلى المستوى الأوسع، استنتج المختصون، أن هذا المسار يشير إلى أن العلاقات بين دول الجوار لم تعد تدار بمنطق ثنائية سياسية تقليدية، بل ضمن شبكة مصالح متداخلة تتجاوز الخلافات الظرفية.
وبينوا أن التعاون الاقتصادي والأمني والطاقي والمائي، بات يشكل بنية تحتية غير مرئية للاستقرار الإقليمي، قادرة على امتصاص جزء كبير من تأثير الأزمات السياسية الممتدة، من دون أن تلغيها بالكامل.
وفي الوقت ذاته، نوّه الخبراء، إلى أن هذا المسار لا يقدم وعداً فورياً بتجاوز الأزمات، لكنه يفتح نافذة على نمط جديد من العلاقات الإقليمية يقوم على البراغماتية التدريجية وتراكم المصالح، حيث تتحول الملفات العملية إلى محركات لإعادة بناء الثقة بين الدول.
وهنا تكمن الدلالة الأهم، وهي أن الاستقرار في المنطقة لم يعد مشروعاً سياسياً فقط، بل أصبح نتيجة محتملة لتوسع دوائر التعاون في الأمن والمياه والطاقة والزراعة، بما يعيد رسم وظيفة الجغرافيا السياسية في المشرق العربي.
وفي سياق الحديث عن كيفية قراءة البيان الأردني السوري المشترك ضمن التحولات الإقليمية الأوسع، ومدى قدرته على الإسهام في بناء نمط جديد من التعاون بين دول الجوار يتجاوز تداعيات الأزمات السياسية الممتدة، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د.
بشير الدعجة، أن البيان يمثل جزءاً من تحول إستراتيجي أوسع تشهده المنطقة يقوم على تغليب المصالح المشتركة على منطق الصراعات والخلافات.
ودعا الدعجة إلى أهمية أن يقرأ البيان في إطار التحولات الإقليمية الأوسع التي تشهدها المنطقة، باعتباره جزءاً من مسار إستراتيجي يتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين البلدين، ويعكس اتجاهاً متنامياً نحو إعادة تنشيط العلاقات بين دول الجوار على أساس المصالح المشتركة ومتطلبات الأمن والاستقرار والتنمية.
وقال إن عالم السياسة لا يعرف الفراغات الدائمة، فعندما تتراجع لغة الصراعات تتقدم لغة المصالح، وعندما تتآكل جدوى القطيعة تبدأ الدول بالبحث عن مساحات جديدة للتفاهم والتعاون، ومن هذه الزاوية تحديداً تبرز أهمية البيان الأردني السوري المشترك، ليس بوصفه حدثاً ثنائياً بين دولتين جارتين فحسب، وإنما باعتباره جزءاً من تحول إستراتيجي واسع يعيد رسم المشهد الإقليمي في المشرق العربي والشرق الأوسط بأكمله.
وأضاف أن المنطقة أمضت أكثر من 15 عاماً في دوامة من الحروب والأزمات والاستقطابات الحادة، دفعت خلالها ثمناً باهظاً على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
كما أن تقديرات العديد من المؤسسات الدولية تؤكد أن تكلفة النزاعات والصراعات في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير تجاوزت عدة تريليونات من الدولارات، في الوقت الذي تراجعت فيه معدلات النمو والاستثمار، وارتفعت نسب البطالة والفقر والدين العام بصورة غير مسبوقة.
وبحسب الدعجة، فإن المنطقة تبدو اليوم وكأنها تقف أمام لحظة تاريخية فارقة، فإما الاستمرار في إدارة الأزمات المزمنة التي استنزفت مقدرات الدول والشعوب، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها بناء المصالح المشتركة وتعزيز الأمن الجماعي وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، ومن هنا تكتسب الخطوة الأردنية السورية أهميتها الاستثنائية، باعتبارها انعكاساً لتحول أعمق من مجرد تحسين العلاقات الثنائية.
ورأى أن البيان المشترك يمثل اعترافاً ضمنياً بأن التحديات التي تواجه دول المنطقة، لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمنظومة معقدة من المخاطر الأمنية والاقتصادية والبيئية والغذائية والمائية.
فالمخدرات لا تعترف بالحدود، والجريمة المنظمة لا تخضع لمفاهيم السيادة التقليدية، كما أن أزمات المياه والطاقة والتغير المناخي باتت تشكل تهديدات متصاعدة للأمن والاستقرار لا تقل خطورة عن كثير من النزاعات العسكرية التقليدية، وفق الدعجة.
وبين أن الحديث عن الأردن وسورية لا يقتصر على دولتين تربطهما حدود جغرافية مشتركة، بل يتعلق بعقدة إستراتيجية تشكل أحد أهم مفاتيح الاستقرار في المشرق العربي.
فالحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 375 كيلومتراً، إلى جانب الموقع الجغرافي الذي يربط الخليج العربي ببلاد الشام وتركيا وأوروبا، يجعل من العلاقة بين البلدين عاملاً مؤثراً في معادلات الأمن والاقتصاد والتجارة والنقل والطاقة على مستوى المنطقة بأسرها.
وأوضح أن الأردن كان من أكثر الدول تأثراً بتداعيات الأزمة السورية خلال السنوات الماضية، حيث تحمل أعباء إنسانية واقتصادية وأمنية كبيرة، واستقبل مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، كما واجه تحديات متزايدة على حدوده الشمالية، الأمر الذي جعل استقرار سورية بالنسبة لعمان جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن الوطني الأردني.
وفي هذا السياق، يبرز البعد الأمني باعتباره أحد أهم مرتكزات البيان المشترك، فخلال السنوات الأخيرة خاض الأردن معركة معقدة ضد شبكات تهريب المخدرات والأسلحة العابرة للحدود، وهي شبكات لم تعد تعمل بالأساليب التقليدية، بل أصبحت تمتلك تمويلاً ضخماً وتقنيات متطورة ووسائل لوجستية حديثة تشمل الطائرات المسيرة وأجهزة الاتصال المتقدمة وشبكات تهريب متعددة المسارات، بحسبه.
وشدد الدعجة على أن الوقائع أثبتت أن تجارة المخدرات لم تعد مجرد جريمة جنائية، وإنما تحولت إلى تهديد إستراتيجي يمس الأمن القومي للدول واستقرار المجتمعات؛ فالملايين من الحبوب المخدرة التي تم ضبطها خلال السنوات الماضية لم تكن تستهدف دولة بعينها، بل كانت جزءاً من شبكة إقليمية واسعة تستهدف المجتمعات والشباب والاقتصادات الوطنية.
ومن هنا، أشار إلى أن التعاون الأردني السوري في المجال الأمني لا يمثل مصلحة ثنائية فحسب، بل يشكل مصلحة إقليمية أوسع؛ لافتاً إلى أن كل ضربة ناجحة توجه إلى شبكات التهريب والجريمة المنظمة، تنعكس بصورة إيجابية على أمن المنطقة بأكملها، وتحد من قدرة تلك الشبكات على تمويل أنشطتها وتوسيع نفوذها.
كما أن هذا التعاون، وفق الدعجة، يشكل سداً منيعاً أمام عودة التنظيمات المتطرفة أو استغلال الجماعات الإجرامية للفراغات الأمنية الحدودية؛ موضحاً أن التجارب الدولية أثبتت أن الحدود غير المستقرة تشكل البيئة المثالية لنمو الإرهاب والجريمة المنظمة، في حين يؤدي التنسيق الأمني والاستخباري المشترك إلى تقليص هذه المخاطر إلى أدنى المستويات الممكنة.
وأكد الدعجة أن أهمية البيان لا تتوقف عند الأمن بمفهومه التقليدي، بل تمتد إلى مفهوم الأمن الشامل.
وأوضح أنه في ملف المياه، الذي يعد من أخطر الملفات الإستراتيجية في المنطقة، يصنف الأردن ضمن أكثر دول العالم فقراً بالمياه، بينما تواجه سورية تحديات متزايدة نتيجة التغير المناخي والجفاف وتراجع الموارد المائية.
وتحذر تقارير دولية من أن منطقة الشرق الأوسط ستكون من أكثر مناطق العالم تأثراً بالإجهاد المائي خلال العقود المقبلة، الأمر الذي يجعل أي تعاون أردني سوري في إدارة الموارد المائية المشتركة، أو حماية الأحواض المائية، أو تطوير مشاريع الحصاد والتخزين المائي، استثماراً مباشراً في الأمن الوطني للبلدين وفي استقرار المنطقة كلها.
أما في قطاع الطاقة، فرأى الدعجة أن الصورة لا تقل أهمية، في ظل تصاعد المنافسة العالمية على مصادر الطاقة ومساراتها؛ فالدول التي تمتلك القدرة على التحول إلى مراكز إقليمية للربط والنقل الطاقوي ستكون الأكثر قدرة على تعزيز مكانتها الاقتصادية والإستراتيجية.
وأشار إلى أن الأردن وسورية يمتلكان مقومات مهمة في هذا المجال، حيث طور الأردن خلال السنوات الماضية بنية تحتية متقدمة نسبياً في قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة، بينما تشكل سورية ممراً جغرافياً حيوياً يربط الخليج العربي ببلاد الشام وشرق المتوسط.
وبالتالي فإن أي مشاريع مشتركة للربط الكهربائي أو نقل الطاقة أو تطوير البنية التحتية الإقليمية ستكون ذات أثر يتجاوز حدود البلدين ليشمل المنطقة بأسرها، وفق الدعجة.
وفي الجانب الزراعي، أكد الدعجة توفر فرصة إستراتيجية لا تقل أهمية عن بقية الملفات، خصوصاً في ظل التحولات العالمية المتسارعة التي جعلت الأمن الغذائي جزءاً أساسياً من الأمن القومي للدول، مبيناً أن الأزمات الدولية المتلاحقة كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وأظهرت الحاجة إلى تعزيز الإنتاج المحلي والتكامل الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، لفت إلى إمكانية أن يشكل التكامل الزراعي الأردني السوري نموذجاً ناجحاً في مجالات الإنتاج الزراعي والتكنولوجيا الزراعية والصناعات الغذائية والتسويق والتصدير، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وخلق فرص اقتصادية جديدة للبلدين.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تابع الدعجة أن إعادة تنشيط العلاقات الأردنية السورية، تعني في جوهرها إعادة إحياء أحد أهم الممرات التجارية في الشرق الأوسط، منوهاً بأنه قبل الأزمة السورية، كانت آلاف الشاحنات تعبر سنوياً عبر الأراضي السورية والأردنية باتجاه دول الخليج وتركيا وأوروبا، وكانت هذه الحركة التجارية تمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً لقطاعات النقل والخدمات اللوجستية والتجارة والاستثمار.
وأضاف أن المتغيرات التي تشهدها التجارة العالمية اليوم تعزز من أهمية الممرات البرية الآمنة والفعالة، حيث يبحث العالم عن طرق تجارية جديدة وأكثر استقراراً، وفي هذا السياق، تبدو منطقة الشرق الأوسط مرشحة لتكون أحد أهم محاور التجارة العالمية خلال العقود المقبلة إذا نجحت دولها في بناء بيئة مستقرة وآمنة للتعاون الاقتصادي.
واعتبر أن التقارب الأردني السوري لا يرتبط فقط بإعادة تنشيط التجارة الثنائية، بل يمكن أن يتحول إلى ركيزة أساسية في مشاريع الممرات الاقتصادية الإقليمية الجديدة التي تربط الخليج العربي بالبحر المتوسط وأوروبا، مشيراً إلى أنه إذا تطورت هذه المشاريع مستقبلاً، فإنها ستوفر فرصاً استثمارية كبيرة، وستسهم في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للمشرق العربي.
كما أن انعكاسات هذا التعاون، بحسب الدعجة، لن تتوقف عند حدود الأردن وسورية، بل ستمتد إلى دول الجوار كافة، مبيناً أن العراق سيستفيد من استقرار طرق النقل والتجارة، ولبنان سيستفيد من تنشيط الحركة الاقتصادية البرية، ودول الخليج ستستفيد من تنويع مسارات التجارة والنقل، كما أن فلسطين ستستفيد بصورة غير مباشرة من أي استقرار اقتصادي وأمني ينعكس على البيئة الإقليمية المحيطة بها.
وأكد الدعجة أن القيمة الإستراتيجية الحقيقية للبيان المشترك تكمن في كونه لا يعالج ملفات ثنائية فقط، بل يطرح نموذجاً جديداً للتعامل مع التحديات الإقليمية يقوم على التعاون بدلاً من الصراع، وعلى المصالح المشتركة بدلاً من الحسابات الضيقة، وعلى التنمية الاقتصادية بدلاً من الاستنزاف المستمر للموارد.
وتابع أن أهم الدروس التي خرجت بها دول المنطقة خلال السنوات الماضية، تتمثل في أن الأمن لم يعد مفهوماً عسكرياً فقط، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل الاقتصاد والمياه والطاقة والغذاء والتكنولوجيا والتجارة، فيما ستكون الدول التي تدرك هذه الحقيقة مبكراً، هي الأكثر قدرة على حماية مصالحها وتعزيز مكانتها الإقليمية.
وحول دلالات البيان المشترك في ظل الحراك الإقليمي المتنامي لإعادة تنشيط العلاقات بين دول المنطقة، وإمكانات توظيفه لتعزيز التعاون في ملفات الأمن والتهريب والمياه والطاقة والزراعة، أكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية د.
بدر الماضي، أهمية دور البيان المشترك، في بدء التأسيس لحالة من العلاقات المميزة التي تحكم العلاقة الأردنية السورية، بحيث تتجاوز الطابع العاطفي أو الظرفي إلى العمل على مأسسة هذه العلاقة، ضمن أطر قانونية وتشريعية واضحة، بما يضمن استمرارية التواصل والاجتماعات والتنسيق على مستويات واسعة وبين كبار المسؤولين في البلدين.
وقال الماضي إن ما تشهده المنطقة خلال المرحلة الحالية يثبت بصورة واضحة أن العلاقات بين دول الجوار عندما تقوم على أسس مؤسسية حقيقية، وترتكز إلى مشاريع عملية تخدم الدول والمجتمعات، فإنها تصبح الإطار الأكثر قدرة على تحقيق المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن التجارب أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن التعاون الثنائي، أو التعاون الذي يضم أكثر من دولتين، هو القادر على النهوض بهذه البلدان وتعزيز قدراتها والحفاظ على استقرارها واستمراريتها.
وشدد على أهمية التنمية باعتبارها العمود الأساسي في بقاء واستمرارية الدول واستقرار الأنظمة، كما أنها تشكل العامل الأهم في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ومن هذا المنطلق، رأى الماضي أن الأردن وسورية يعملان على مأسسة هذه العلاقة بما يجعلها نقطة ارتكاز وتواصل مع دول الجوار والإقليم، وبما يؤسس لنواة تعاون مشترك لا تقتصر على البلدين فقط، وإنما تمتد لتشمل دول الخليج العربي ودول المشرق العربي بصورة عامة.
وبين أن هذه الرؤية تمنح الأردن وسورية فرصة للقيام بدور محوري كنقاط تواصل واتصال تربط الخليج العربي بشرق وغرب القارة الأوروبية، وتسهم في تعزيز حركة التجارة والتعاون الاقتصادي بين مختلف الأطراف، الأمر الذي من شأنه أن يساعد بصورة كبيرة على تجاوز الكثير من الأزمات السياسية وحالات سوء الفهم التي قد تنشأ بين الدول من وقت إلى آخر.
وعلى صعيد الملفات الثنائية، شدد الماضي على الأولوية الأساسية للملف الأمني في مسار العلاقات بين البلدين، مؤكداً وجود نوايا صادقة لدى الجانب السوري في التعامل مع المخاوف الأردنية المرتبطة بالقضايا الأمنية وتداعياتها على الأمن الوطني الأردني، وفي مقدمتها قضايا التهريب، وخاصة تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود.
وأوضح أن هناك تفهماً مهماً لدى الجانب السوري للمخاوف الأردنية المرتبطة بهذه الملفات، الأمر الذي يشكل أرضية مناسبة لتعزيز التعاون والتنسيق الأمني بين البلدين، بما يخدم استقرار الحدود ويحافظ على أمن البلدين والمنطقة بشكل عام.
وفيما يتعلق بملف المياه، أشار الماضي إلى وجود تفهم سوري لأهمية هذا الملف بالنسبة للأردن، لافتاً إلى ضرورة العمل على معالجة القضايا المرتبطة بالمياه، بما في ذلك ما يتعلق باتفاقية العام 1987، وبما يسهم في تعزيز التعاون الثنائي في إدارة الموارد المائية وتحقيق المصالح المشتركة للطرفين.
أما في قطاع الطاقة، فأكد الماضي امتلاك الأردن خبرات واسعة ومتراكمة في هذا المجال، وإمكانية أن يقدم الكثير للأشقاء في سورية، سواء من خلال تبادل الخبرات أو من خلال المشاريع المشتركة التي تخدم مصالح البلدين.
كما أشار إلى أهمية خط الغاز العربي وما يمكن أن يوفره من فرص لتعزيز التعاون الطاقوي بين الجانبين وربط المصالح الاقتصادية بينهما بصورة أكبر.
وفي القطاع الزراعي، أوضح أن الخبرات السورية الطويلة في المجال الزراعي، إلى جانب الخبرات التراكمية التي طورها الأردن خلال السنوات الأخيرة، يمكن أن تشكل قاعدة مهمة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وتطوير مشاريع مشتركة تسهم في دعم الإنتاج الزراعي وتحقيق فوائد اقتصادية وتنموية متبادلة.
ترسيخ مفهوم جديد للعلاقاتوأكد الماضي أن أهمية هذا المسار لا تقتصر على معالجة ملفات آنية أو مرحلية، بل تكمن في قدرته على ترسيخ فهم جديد لطبيعة العلاقات بين الدول، يقوم على العمل المؤسسي والشراكات المستدامة، بعيداً عن التأثر بالتقلبات السياسية أو الأزمات العابرة.
وشدد على أن هذه العلاقة تؤسس لفهم مؤسسي جديد يقوم على ضرورة أن تدار العلاقات بين الدول ضمن أطر حقيقية ومستقرة لا تتوقف مع ظهور أزمة هنا أو هناك، وإنما تستند إلى التعاون الإقليمي في المجالات التنموية والاقتصادية وقطاعات الطاقة والزراعة باعتبارها ركائز أساسية في العلاقات بين الدول.
وتابع أن الخلافات السياسية التي قد تظهر حول بعض القضايا يمكن استيعابها ضمن الأطر السياسية والدبلوماسية، من دون أن تنعكس سلباً على مسارات التعاون الأخرى، التي تشكل في جوهرها الأساس الحقيقي لبناء التحالفات وتعزيز الاستقرار وترسيخ المصالح المشتركة بين الدول.
تجاوز آثار الأزمات السياسيةورداً على التساؤلات المتعلقة بقدرة البيان الأردني السوري المشترك على المساهمة في بلورة نموذج إقليمي جديد للتعاون يتجاوز تأثير الأزمات السياسية المزمنة، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د.
خالد شنيكات، أن البيان يمكن وضعه في سياق التحولات الإقليمية الأوسع التي تشهدها المنطقة، والهادفة إلى إعادة تنشيط العلاقات بين دول الجوار وبناء مقاربات جديدة للتعامل مع التحديات المشتركة، انطلاقاً من حقيقة أن سورية مثلت عمقاً إستراتيجياً للأردن، وأن العلاقات بين البلدين استندت إلى تاريخ طويل من الروابط السياسية والجغرافية والاقتصادية.
ورأى شنيكات أن الأردن شكل جزءاً من الامتداد الجغرافي لبلاد الشام، كما مثل جسراً يربطها بدول شبه الجزيرة العربية ودول الخليج العربي، ما جعل تطوير العلاقات الأردنية السورية ضرورة فرضتها المصالح المتبادلة والتحولات الإقليمية الراهنة.
وأشار إلى أن هناك مجموعة من الملفات الحيوية التي منحت هذا المسار زخماً عملياً، وفي مقدمتها ملف اللاجئين، إلى جانب أهمية استئناف العلاقات التجارية البينية، وإزالة الحواجز الجمركية، وتسهيل حركة نقل البضائع والسلع بين البلدين، باعتبار أن تنشيط التبادل التجاري شكل أحد المرتكزات الأساسية لأي شراكة اقتصادية مستدامة.
وأضاف أن التعاون الأمني مثل أحد أهم أركان العلاقة المستقبلية بين عمان ودمشق، لا سيما في مواجهة شبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة، لافتاً إلى أن الحكومة السورية شرعت خلال الفترة الأخيرة في تنفيذ عمليات مداهمة لعدد من أوكار الجريمة وتجارة المخدرات، وهي خطوات انعكست آثارها الأمنية بشكل مباشر على البلدين، كما أن التعاون في ملاحقة المطلوبين والمجرمين شكل ضرورة لتعزيز أمن الحدود والاستقرار الإقليمي.
وأوضح أنه في ملف المياه، اعتمد الأردن خلال سنوات على التعاون مع سورية في هذا المجال، ما جعل استعادة التنسيق المشترك بشأن الموارد المائية أمراً مهماً في ظل التحديات التي واجهت المنطقة.
كما رأى أن امتلاك الأردن فائضاً في الطاقة فتح المجال أمام تعزيز التعاون عبر مشاريع الربط الكهربائي وتزويد سورية بالطاقة، بما خدم المصالح الاقتصادية والتنموية للطرفين.
ولم يقتصر الأمر، بحسب شنيكات، على هذه الملفات، بل امتد إلى التعاون الزراعي، إذ امتلكت سورية أراضي خصبة وموارد مائية يمكن أن تستقطب استثمارات أردنية، إضافة إلى الفرص التي يمكن أن تنشأ من المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، بما يسهم في تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين.
ووضع شنيكات هذه التوجهات في إطار المشهد الإقليمي المضطرب، مشيراً إلى أن الأزمات الإنسانية استمرت نتيجة الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان، واحتلال أجزاء من الأراضي السورية، والدمار الذي خلفته الحرب في غزة، وهو ما جعل الأردن معنياً بتوثيق التعاون مع سورية خلال المرحلة المقبلة، وتعزيز منظومة الأمن المشترك، ودعم استقرار الدولة السورية باعتباره جزءاً من استقرار المنطقة بأسرها.
وشدد شنيكات على ضرورة الانتقال من مرحلة التنسيق الظرفي إلى العمل المؤسسي المستدام، وصولاً إلى نجاح هذا المسار في تجاوز تأثير الأزمات السياسية الممتدة في المنطقة، وذلك من خلال إنشاء هيئة تنسيق مشتركة أو هيئة عليا أردنية سورية تتولى بلورة أطر التعاون المختلفة وتقنينها، بما يمنح العلاقات الثنائية طابعاً مؤسسياً واستمرارية قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية وبناء نمط جديد من التعاون بين دول الجوار.
وركزت اللقاءات الثنائية المشتركة على متابعة تنفيذ مخرجات مجلس التنسيق الأعلى وتعزيز مسارات التكامل العملي بين البلدين، بما يشمل تطوير التعاون في النقل البري والجوي والبحري والسككي، وتسهيل حركة الشاحنات والتبادل التجاري، إلى جانب إطلاق منصات تشغيلية مشتركة في قطاع المياه ودراسة مشاريع إستراتيجية مرتبطة بحوض اليرموك.
وتكتسب هذه الاجتماعات أهمية خاصة كونها تعكس انتقال العلاقات من مستوى التفاهمات العامة إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم، بما يعزز شراكة إستراتيجية شاملة ويؤشر إلى مسار أكثر استقراراً في إدارة الملفات المشتركة بين البلدين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك