العقبة - تقدم مدينة العقبة الساحلية نموذجا عالميا في التكيف مع التحديات البيئية المعاصرة.
فبدلا من التعامل مع المياه العادمة بوصفها عبئا يثقل كاهل البنية التحتية ويستنزف الموارد المالية للتخلص منها، نجحت العقبة، بفضل رؤية إستراتيجية وتخطيط هندسي محكم، في تحويل هذه المعضلة الحضرية إلى فرصة بيئية نادرة، لتخلق شريانا جديدا ينبض بالحياة في قلب الصحراء القاحلة.
وأثمرت هذه الجهود عن تحويل الصحراء إلى أراضٍ رطبة اصطناعية وواحة خضراء ممتدة، باتت تعرف بـ" مرصد طيور العقبة"، لتشكل رئة طبيعية جديدة ومحطة استراحة آمنة وحيوية لملايين الطيور المهاجرة التي تعبر سماء المملكة سنويا في رحلتها بين القارات.
وسجل المرصد قصة نجاح دولية وحضورا بيئيا لافتا باحتضانه نحو 60 % من أنواع الطيور المسجلة في الأردن، لتتحول هذه المبادرة إلى قصة نجاح أردنية تطرح في المحافل الدولية دليلا على قدرة الحلول القائمة على الطبيعة على استعادة التوازن البيئي وإعادة صياغة المشهد الحضري نحو مستقبل أكثر استدامة.
من معضلة حضرية إلى بيئة تحاكي الطبيعةيؤكد الخبير البيئي الدكتور محمد المجالي أن الواحة تعد أحد الحلول لمواجهة التحدي المتصاعد الذي تواجهه مدينة العقبة، والمتمثل في تزايد كميات المياه العادمة الناتجة عن التوسع العمراني والنشاطين السياحي والصناعي المتسارعين.
ويقول: " دفع هذا التحدي الجهات المعنية إلى البحث عن بدائل مبتكرة تتجاوز مفهوم المعالجة الميكانيكية التقليدية، من خلال استغلال المياه المعالجة لتكوين محمية اصطناعية تحاكي الطبيعة بكل تفاصيلها، عبر إنشاء غابات من الأشجار المحلية وتجهيز برك مائية ضحلة وعميقة تلبي احتياجات مختلف أنواع الطيور والكائنات الحية".
ويضيف أن التخطيط حوّل الأحواض الخرسانية الجافة إلى مسطحات مائية تنتشر على ضفافها نباتات القصب والطرفاء، لتوفر موئلا آمنا ومصدرا غنيا بالغذاء، وبذلك تحولت الفكرة من مجرد مشروع للتعامل مع المياه العادمة إلى استثمار بيئي إستراتيجي يعزز التنوع الحيوي ويسهم في مكافحة التصحر والتكيف مع التغيرات المناخية.
ويوضح المجالي أبعاد هذا الإنجاز قائلا: " إن هذا المكان قادر على خلق نظام بيئي متكامل من الصفر تقريبا، معتمدا على مورد كان ينظر إليه كنفايات، إذا أعيد تدويره واستخدامه بذكاء شديد؛ لتأسيس محطة تنقية طبيعية تعمل على فلترة المياه عبر جذور النباتات".
ويضيف أن هذه العملية توفر بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات والأسماك الصغيرة، التي تشكل قاعدة الهرم الغذائي للطيور المهاجرة والمقيمة، مؤكدا أن المشروع تجاوز أبعاده البيئية ليصبح مختبرا مفتوحا للأبحاث العلمية ووجهة للسياحة البيئية تدعم الاقتصاد المحلي وتضع العقبة على خريطة السياحة البيئية العالمية.
حفرة الانهدام.
محطة حيوية على ثاني أهم مسار لهجرة الطيوريشير خبراء الطيور إلى الأهمية البيولوجية القصوى لهذا الموقع الإستراتيجي، إذ إن امتداد حفرة الانهدام العظيم تعد ثاني أهم مسار لهجرة الطيور في العالم، ما يكسب الواحة الاصطناعية أهمية جغرافية استثنائية لا يمكن التقليل من شأنها، منوهين إلى أن مئات الملايين من الطيور تعبر هذا الممر الضيق كل عام مرتين (خلال رحلتي الذهاب والإياب) بين مناطق التكاثر في أوروبا وآسيا ومناطق الشتاء في إفريقيا؛ لتتوقف في العقبة أسراب البجع واللقلق والطيور الجارحة والطيور المائية في مشهد بانورامي يسلب الألباب، ويعكس عظمة الخالق في تنظيم هذه الدورات الحيوية المعقدة.
ويبين الخبراء أن الطيور تصل إلى العقبة بعد عبور مساحات شاسعة من الصحارى والجبال وهي في حالة إنهاك شديد، ما يجعل الأراضي الرطبة في مرصد العقبة بمثابة" محطة للتزود بالطاقة"، إذ توفر لها المأوى الآمن والمياه والغذاء اللازمين لاستكمال رحلتها.
كما يشددون على أن فقدان الموائل الطبيعية يعد أكبر تهديد لهجرة الطيور عالميا، وأن تجربة مرصد العقبة تمثل استجابة عملية لهذا التحدي، حيث أثبتت الدراسات الميدانية ارتفاع نسب بقاء الطيور بعد توقفها في هذا الموقع الذي يوفر لها فرصة لاستعادة طاقتها وتخزين احتياطياتها الغذائية قبل مواصلة الهجرة.
حماية قانونية لضمان الاستدامةومع تعاظم الدور الإيكولوجي الذي يلعبه هذا الصرح البيئي، برزت الحاجة الملحة لتأطيره ضمن منظومة تشريعية تضمن ديمومته، وتحميه من التهديدات المستقبلية.
وتُوّجت هذه الجهود بإعلان المرصد" منطقة ذات حماية خاصة" في خطوة تعكس النضج المؤسسي والالتزام الحكومي الراسخ بدعم المبادرات الخضراء.
ويحمل هذا التصنيف القانوني الجديد في طياته أبعادا إستراتيجية عميقة تتجاوز مجرد التكريم الرمزي، ليؤسس لمرحلة جديدة من الإدارة المستدامة التي تحقق منع أي شكل من أشكال التعديات العمرانية أو الصناعية على حدود الموقع وضمان تخصيص الموارد المائية المعالجة بشكل دائم ومستمر دون انقطاع لتأمين استقرار هذا النظام البيئي الهش.
وحول الأبعاد الإستراتيجية لهذا القرار، يؤكد مفوض البيئة والسلامة العامة في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، الدكتور نضال العوران، أن إسباغ الحماية القانونية على هذه الأراضي الرطبة يمثل نقلة نوعية في سياسات الحفاظ على الطبيعة في الأردن، موضحا أن الموافقة على ملف إعلان مرصد طيور العقبة" منطقة ذات حماية خاصة" بموجب نظام المحميات والمتنزهات الوطنية رقم (29) لسنة 2005، يُعد إنجازا وطنيا نوعيا يترجم التزام الأردن بحماية موارده الطبيعية وتعزيز الإدارة المستدامة للتنوع الحيوي.
ويشير إلى أن اعتماد ملف الترشيح المقدم من سلطة العقبة جاء ثمرة تعاون وشراكة فاعلة بين عدة جهات وطنية كسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، والجمعية الملكية لحماية الطبيعة وشركة تطوير العقبة، وشركة مياه العقبة ووزارة البيئة والجهات الوطنية المعنية، مشددا على أن هذا الإعلان يوفر إطارا قانونيا وإداريا يضمن حماية الموقع على المدى الطويل.
ويؤكد العوران أن هذه الخطوة تفتح آفاقا واسعة لتطوير البنية التحتية للسياحة البيئية داخل المرصد من خلال إنشاء ممرات آمنة للزوار وأبراج مراقبة متطورة ومراكز زوار تقدم تجربة تعليمية وتثقيفية متكاملة ترفع من مستوى الوعي البيئي لدى الأجيال القادمة، وتخلق فرص عمل خضراء للمجتمع المحلي في العقبة.
من جانبه يبين مدير مرصد الطيور التابع للجمعية الملكية لحماية الطبيعة المهندس فراس الرحاحلة أن المرصد يمثل نموذجا رائدا وعالميا للحلول القائمة على الطبيعة، موضحا أن إعادة استخدام المياه المعالجة لإنشاء أراض رطبة اصطناعية تحولت بنجاح إلى موئل حيوي لا غنى عنه للطيور المهاجرة والمقيمة على حد سواء، مما يجعل المرصد اليوم أحد أهم مواقع مراقبة الطيور والحفاظ على التنوع الحيوي في المملكة والشرق الأوسط ككل.
ويبين أن المرصد سجل أكثر من 270 نوعا من الطيور، تمثل ما يزيد على 60 % من إجمالي الأنواع المسجلة في المملكة، مشيرا إلى أن المياه المعالجة أعيد توظيفها بصورة مستدامة لدعم الغطاء النباتي المحلي وإنشاء بيئات رطبة أصبحت محطة رئيسة لملايين الطيور خلال هجرتها الموسمية.
ويؤكد الرحاحلة أن هذه النتائج لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة سنوات من العمل المشترك الذي تقوده الجمعية الملكية لحماية الطبيعة من خلال إدارتها للمرصد، بالشراكة مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وبالتعاون مع شركة تطوير العقبة وشركة مياه العقبة، وقد أسهم هذا النموذج الريادي في تقديم مثال عملي على أفضل الممارسات العالمية التي توظف الحلول القائمة على الطبيعة لدعم أهداف التنمية المستدامة، خصوصا ما يتعلق بالحياة في البر والتكيف مع التغير المناخي، مبينا أن اعتماد مرصد طيور العقبة منطقة ذات حماية خاصة هو اعتراف بقصة نجاح بيئية أردنية تستحق أن تُروى، وقصة أثبتت أن الإدارة الحكيمة والشراكات الفاعلة قادرة على تحويل الموارد المتاحة إلى قيمة حقيقية للطبيعة والإنسان معا، مشيرا إلى أن الجمعية الملكية لحماية الطبيعة تنظر إلى هذا الإنجاز بكل فخر واعتزاز، وتثمن عاليا كل الشركاء والجهات التي ساهمت في إنجاح هذه التجربة ودعمها حتى أصبحت نموذجا يُحتذى به على المستوى الوطني والإقليمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك