مع توصل الولايات المتحدة وإيران إلى مذكرة تفاهم، قد تفتح الباب أمام اتفاق أوسع ينهي الحرب بينهما، سوف يُشغل كثيرون بالسؤال التقليدي الذي يرافق نهاية كل حرب عن هوية المنتصر والمهزوم.
غير أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأمر الهيّن في ضوء الانقسامات العميقة التي تسببت بها الحرب، والموقف منها، و" البروباغندا" التي يمارسها كل طرف لإظهار" علو كعبه" فيها أمام جمهوره ومحازبيه.
لكن بعيداً عن هذا كله، لا تُقاس الحروب بنتائج المعارك وحدها، ولا بعدد الضربات التي يتلقّاها كل طرف، ولا حتى بحجم خسائره البشرية والاقتصادية والعسكرية، بل بمدى نجاحه في تحقيق الأهداف السياسية التي دفعته إلى دخول الحرب أصلاً.
فالحرب، وفقاً للمنظر البروسي (الألماني) الشهير كارل فون كلاوزفيتز (1780-1831)، امتداد للسياسة بوسائل أخرى.
ولذلك يتمثّل تعريف النصر الذي يكاد يحظى بإجماع بين الباحثين في قدرة طرف على إخضاع الطرف الآخر لإرادته السياسية.
انطلاقاً من هذا، يصبح السؤال الأجدر بالطرح: هل نجحت الولايات المتحدة في فرض إرادتها على إيران؟ أم نجحت إيران في فرض إرادتها على الولايات المتحدة؟ أم أن الطرفين توصلا إلى تسوية تعكس ميزان القوى (غير المتماثل) الذي نشأ بينهما نتيجة نجاح إيران نسبيّاً في إنشاء معادلة ردع جديدة في مواجهة الولايات المتحدة، قوامها التحكّم بحركة الملاحة في مضيق هرمز والتهديد بضرب محطات الطاقة في دول الخليج العربية، والاستفادة طبعا من وجود قيادة أميركية فاشلة، أخفقت في كل جوانب الحرب والسياسة.
في بداية المواجهة، تمثل الهدف الأميركي المعلن في اخضاع إيران، بما يشمل تفكيك برنامجها النووي، والصاروخي، وتقليص نفوذها الإقليمي، وإجبارها على تعديل سلوكها السياسي والأمني.
أما إيران، فقد تمثلت أهدافها في الحفاظ على نظامها وعدم الخضوع للإرادة الأميركية، والاحتفاظ بالحد الأدنى من قدراتها الاستراتيجية ومجالها الحيوي الإقليمي.
لو أخذنا هذه الأهداف معياراً للحكم، يصعب الزعم إن الولايات المتحدة انتصرت، أو أن إيران هُزمت.
صحيحٌ أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بإيران، وكبّدتها أثماناً اقتصادية وعسكرية باهظة، لكنها لم تؤدِّ إلى انهيار النظام، ولم تدفعها إلى التخلي عن موقعها قوة إقليمية، والأهم أنها (الحرب) لم تنجح في إعادة تشكيل السلوك الاستراتيجي لإيران بما يجبرها على العمل في النظام الإقليمي، وفق الشروط الأميركية.
لكن إيران وإنْ لم تهزم إلا أنها، في المقابل، لا تستطيع ادّعاء النصر، فالحرب كشفت حدود قدراتها العسكرية والاقتصادية، كما اضطرّتها، في نهاية المطاف، إلى الدخول في مفاوضات، وقبول تفاهمات، قد تسفر عن تخليها عن ورقتي القوة الرئيستين اللتين تملكهما: مضيق هرمز وبقايا برنامجها النووي.
التوصيف الأدقّ لما حصل إذاً هو أن نتيجة الحرب مكنت كل طرف من ادعاء نصف نصر وإلحاق نصف هزيمة بالخصم.
هذه النتيجة ليست استثنائية في التاريخ المعاصر، فقد انتهت حروب كثيرة من دون منتصر واضح.
حصل هذا في حرب السويس عام 1956، كما تكرّر مع الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق، رغم أنها تملك تفوّقاً عسكرياً ساحقاً، لكنها عجزت عن تحقيق أهدافها السياسية كاملة.
في المقابل، لم تكن القوى المحلية قادرة على هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، لكنها نجحت في منعها من تحقيق النصر السياسي الذي سعت إليه.
تكشف الحرب أخيراً مع إيران حقيقة أعمق تتعلق بطبيعة الصراعات المعاصرة.
ففي عالم تراجعت فيه إمكانية الاحتلال المباشر، وإعادة تشكيل المجتمعات بالقوة، يصبح من الصعب، بشكل متزايد، على القوى الأكبر تحويل تفوقها العسكري إلى نتائج سياسية حاسمة.
فالقوة ما تزال قادرة على القتل والتدمير، لكن قدرتها على إنتاج الخضوع السياسي والاستسلام تصبح أقل بمرور الوقت.
هذا ما حصل في غزّة، وتكرّر في لبنان، كما في إيران.
فوق هذا، قد يكون السؤال عن المنتصر والمهزوم مضللاً في حد ذاته، خصوصاً إذا اقتصر التفكير فيه، والحديث عنه، على الدول والأنظمة، وتجاهلنا مآسي الشعوب التي تعد الخاسر الأكبر من الحروب والصراعات.
علينا، بعد ذلك، أن ننتظر لنرى ما إذا كانت مذكّرة التفاهم الأميركي- الإيراني ستشكل نهاية للصراع أم مجرّد محطة جديدة في مسار تنافس طويل لم يُحسم بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك