إذا كانت السياسة تُقاس بالنتائج لا بالشعارات، فإن الاتفاق الذي تستعد الولايات المتحدة وإيران لتوقيعه لا يمثل انتصاراً دبلوماسياً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا هزيمة نكراء لإيران، بقدر ما يشكل اعترافاً متأخّراً بفشل حربٍ ما كان ينبغي أن تقع أصلاً.
فبعد أشهر من القصف والدمار وسفك الدماء والتوتر الذي هزّ الاقتصاد العالمي، يعود الجميع تقريباً إلى النقطة التي كانوا يقفون عندها قبل اندلاع الحرب؛ إعادة فتح مضيق هرمز الذي كان أصلا مفتوحاً قبل الحرب، وإعادة إيران تأكيد أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، والعودة إلى طاولة المفاوضات حول الملفات نفسها التي كانت مطروحة قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
تكشف هذه النتائج إلى أي حدٍّ كانت حرباً عبثية ما كان لها أن تقع، لولا اندفاع دونالد ترامب وغروره السياسي وسوء تقديره الاستراتيجي.
وها هو اليوم يحاول تسويق اتفاقٍ غامضٍ لا يعرف أحد تفاصيله الحقيقية أحد أعظم الانتصارات في التاريخ، في حين أنه لا يعدو أن يكون، في نظر كثيرين، مجرّد محاولة بائسة لحفظ ماء الوجه، بعد واحدة من أكبر الهزائم الاستراتيجية التي مُنيت بها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، حين انفردت بفرض نفسها قوة أحادية مهيمنة على النظام الدولي.
ويبرز هذا الاتفاق أن نتائج الحرب التي فرضتها حسابات الغرور السياسي، وساهمت في تغذيتها وتوجيهها دوائر نافذة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كانت كارثية بكل المقاييس.
فقد أدت إلى مقتل آلاف الأبرياء في إيران ولبنان، وإلى تدمير منشآت مدنية ومبان سكنية وبنى تحتية في إيران ولبنان، كما امتدت تداعياتها إلى عدد من الدول العربية المجاورة.
ولم تقتصر كلفة الحرب على الخسائر البشرية والمادية المباشرة، بل دفعت الاقتصاد العالمي إلى تحمّل أعباء بمليارات الدولارات، كان الفقراء في مختلف أنحاء العالم أول من دفع ثمنها من خلال ارتفاع الأسعار وتفاقم الأزمات الاقتصادية.
كما كلفت الولايات المتحدة نفسها عشرات المليارات من الدولارات.
حرب ما كان لها أن تقع، لولا اندفاع دونالد ترامب وغروره السياسي وسوء تقديره الاستراتيجيعلى المستوى الاستراتيجي، وجّهت هذه الحرب ضربة قوية إلى هيبة أميركا باعتبارها أكبر قوة عسكرية في العالم، بعدما عجزت عن فرض إرادتها بالقوة على إيران التي تخضع لحصار وضغوط متواصلة منذ نحو نصف قرن.
وفي المقابل، أثبتت هذه الحرب قدرة الإرادة الإيرانية على الصمود والبقاء والدفاع عن النفس في مواجهة أقوى قوة عالمية وأقوى قوة عسكرية إقليمية ممثلة في إسرائيل، وخرجت منها بمكاسب استراتيجية مهمة.
فقد فرضت نفسها لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاهله، ومن المرجّح أن تبني على نتائج هذه المواجهة لتعزيز نفوذها ودورها في المنطقة في السنوات المقبلة.
كما يبدو أنها طوت صفحة ما كانت تسميه" الصبر الاستراتيجي"، إذ لم تعد مستعدّة لتحمل الضربات من دون رد.
ورغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها، ربحت شيئاً بالغ الأهمية، التحرّر من هاجس الخوف من الحرب الشاملة ومن عقدة المواجهة غير المتكافئة مع قوى أكبر منها بكثير.
وفي هذا درس مهم للقوى الصاعدة في العالم التي تسعى إلى التحرّر من إملاءات القوى المهيمنة، فالتجربة الإيرانية تقدّم مثالاً على قدرة الإرادة السياسية القوية على فرض نفسها عبر الصمود والصبر وتحمّل التضحيات.
وفي المقابل، كشفت هذه الحرب حدود القوة العسكرية، مهما بلغت درجة تطوّرها، عندما تتحوّل إلى أداة لاستعراض القوة وفرض منطق الهيمنة بدل البحث عن حلول سياسية مستدامة.
يمكن القول إن هذه الحرب انتهت بلا غالب ولا مغلوب، لكن المؤكّد أن العرب كانوا من أكبر الخاسرين فيها، بعدما تحوّلوا إلى ما يشبه" الخسائر الجانبية" لصراع جرى في قلب منطقتهم.
ولا يتعلق الأمر فقط بدول الخليج التي تعرّضت لهجمات مباشرة أو غير مباشرة، بل بالعالم العربي قوّة إقليمية بدا عاجزاً طوال أشهر الحرب عن التأثير في مسار الأحداث، مكتفياً بموقع المتفرّج على حربٍ تدور فوق أراضيه وسمائه ومياهه.
وكان بإمكان الدول العربية، بما تمتلكه من إمكانات اقتصادية وموقع جيوسياسي مؤثر، أن تلعب دوراً مختلفاً لو توفرت لديها إرادة سياسية موحدة وصلبة.
لقد أثبتت هذه الحرب أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في امتلاك الأسلحة المتطوّرة أو الجيوش الضخمة، بل في امتلاك الإرادة والقدرة على قول" لا" عندما تقتضي ذلك السيادة الوطنية والمصلحة العليا.
ليس المطلوب من الدول العربية الانخراط في حروب جديدة ضد إسرائيل، بل امتلاك الإرادة القوية لحماية مصالحهاأما الخاسر الأكبر في هذه الحرب، فهو القضية الفلسطينية المنسية والشعب الفلسطيني المظلوم، فجوهر الصراع في المنطقة يبقى مرتبطاً بالقضية الفلسطينية، وأي محاولة لتجاوزها أو تهميشها لن تؤدّي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات والصراعات.
ومن دون معالجة عادلة لهذه القضية، سيظل الشرق الأوسط مفتوحاً على دورات متتالية من العنف وعدم الاستقرار.
كما أن أي حديث عن السلام سيظلّ ناقصاً ما لم يترافق مع وضع حد للاحتلال والانتهاكات المستمرّة بحق الفلسطينيين، ووقف الحروب الصهيونية المتكرّرة التي تمتد آثارها إلى دول الجوار.
ولعل أحد أهم الدروس التي كشفت عنها هذه الحرب، رغم كلفتها الإنسانية والاقتصادية الباهظة، أنها أظهرت بصورة أوضح حجم خطر الطموحات الإقليمية لإسرائيل وأبعاد المشروع الصهيوني الذي يعمل على تكريس نفسه فاعلا أساسيا في المنطقة.
كما أعادت إلى الواجهة النقاش في إمكانية التعايش مع مشروع احتلالي توسّعي، وإلى متى يمكن السكوت على تداعياته على الأمن والاستقرار الإقليميين، في ظل استمرار حروبه وجرائمه وتوسعه.
ليس المطلوب من الدول العربية الانخراط في حروب جديدة ضد إسرائيل، بل امتلاك الإرادة القوية لحماية مصالحها ومواجهة التهديدات التي تمسّ أمنها واستقرارها ووحدة أراضيها.
وقد آن الأوان للدول المطبّعة لإعادة تقييم علاقاتها وسياساتها الإقليمية في ضوء التحوّلات التي كشفتها هذه الحرب، فمن المفارقات أن تتّسع دائرة الانتقادات لإسرائيل التي باتت شبه منبوذة في العالم، بينما تستمر بعض العواصم العربية في الحفاظ على علاقات طبيعية معها، رغم تصاعد الجدل الدولي حول جرائمها في غزّة والضفة الغربية ولبنان، وهذه مفارقة تجعلنا نشفق على حالة العجز والهوان التي وصلت إليها الشعوب العربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك