آخر ما يجب أن يقرأه متضرّر من الحرب في منطقة الخليج ولبنان نكدٌ مثلما قد توحي به الكلمات أدناه تعليقاً على مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران.
لكنّ الابتعاد عن النكد بوصفه بحثاً مرضيّاً عن ثغرات أو غموض أو تناقضات تشوب تصريحات المعنيين من الطرفين عن البنود التي لم تكن قد نُشرت رسمياً حتى ليل الاثنين الماضي، قد يساهم في بيع أوهام مؤكَّد أن ضررها يتجاوز آثار التشاؤم.
لكنّ للنكد أسباباً موجبة كثيرة في حالة الاتفاق الذي يفترض أن يوقَّع بالحبر يوم الجمعة في جنيف بعدما وقّعه كلّ من دونالد ترامب وجاي دي فانس ومحمد باقر قاليباف إلكترونياً الأحد.
التأمل في سلطة البلدين الموقّعين، أميركا وإيران، سبب موجب أول لريبة الراغبين بالخلاص وانتهاء الحرب ومفاعيلها مهما كلّف الأمر، وللارتياح بالنسبة إلى من يضع سقوط النظام الإيراني هدفاً لا يسمو عليه آخر.
كان ولا يزال مؤكّداً أن ترامب ليس رجل تغيير أنظمة ولم يدّعِ يوماً حرصاً على نشر الديمقراطية.
منذ شنّ حربه على إيران، قال مراراً إن طموحه أن يحصل في إيران ما حدث في فنزويلا، أي أن يبقى الحكّام أنفسهم وأن يغيّروا سلوكهم بما يخدم المصلحة الأميركية ورؤية ترامب.
لم يقصّر الرجل في ازدراء نجل شاه إيران رضا بهلوي مثلما أهان زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو.
الأول" لطيف للغاية ولكنّه ليس الرجل المناسب" لقيادة إيران الجديدة.
والثانية لا تكفي شجاعتها لتحكم البلد اللاتيني بما أنها" لا تحظى بالدعم الكافي"، والأوصاف الموضوعة بين مزدوجين لترامب طبعاً.
والحاصل بعد الأيام الـ107 من حرب ممزوجة بهدنة هشّة شابتها معارك كثيرة، أن إيران بات يحكمها متشددون أكثر من هؤلاء الذين قتلتهم أولى ضربات 28 فبراير/ شباط والأيام التي تلته.
متشددون عقائديون استعرضوا" حربجيتهم" وعدائيتهم في تظاهرات حرّكوها ضد المفاوضات في مدن إيرانية الأسبوع الماضي قبل أن تميل الكفة ربما بقرار من مجتبى خامنئي لمصلحة التوقيع على الاتفاق الذي لا تظهر من قراءة بنوده العامة المسرّبة، إلا خسارة لأميركا ولإسرائيل إن عرّفنا الخسارة بالعجز عن تحقيق الأهداف المعلنة.
أما إيران، فلم تكن بحاجة لاتفاق كهذا لكي يتأكد حكامها من أنهم منتصرون، ذلك أنهم حتى حين قُتل زعيمهم علي خامنئي ومعظم رموز الصف الأول العسكري والسياسي، أخبرونا أنهم يحصون الانتصارات وأن عدوهم يراكم الهزائم.
صحيح أن الناظر من علٍ إلى ما صار معروفاً من التفاهم المبرَم قد يعتبر طهران مستفيدة من البنود، إلا أن نظرة كهذه قد تفوتها حقيقة أن المرحلة الأخطر على النظام الإيراني بدأت للتو، مع انتهاء الحرب.
فإن كانت حربٌ" ناعمة"، كالتي حصلت على امتداد 12 يوماً في مثل هذه الأيام عام 2025، حرّكت انتفاضة شعبية قُتل فيها آلاف، فما الذي يمكن أن تنتجه حربٌ مدمرة كالتي بدأت في فبراير 2026؟ أما المرتاح لصلابة السلطة في طهران وإمساكها بزمام الأمور، فله أن يتذكّر أن من يفكرون في إسقاط الأنظمة لا يتحركون ويخططون وينفذون تحت الصواريخ، بل عندما تهدأ الأمور وتعود شبكة الإنترنت ويتم إحصاء الكوارث الاقتصادية والاجتماعية للحرب، وتُقاس مسافة ابتعاد الأطراف الانفصالية عن المركز.
لا قواسم سياسية مشتركة بين حكام طهران وواشنطن الترامبية، وما التضارب في تفسير البنود غير المنشورة من مذكرة التفاهم بين مسؤولي العاصمتين سوى تأكيد أن القليل تم الاتفاق عليه مقارنة بما يبقى للتفاوض 60 يوماً.
الاتفاق على وقف الحرب طوال فترة المحادثات وفك الحصار عن الخليج ومضيق هرمز وتمكين إيران من الوصول إلى جزء من أصولها المجمدة في مرحلة لاحقة، تقابلها مواضيع تحتاج إلى معجزات لحلها بوزن الملف النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي وأذرع طهران في المنطقة ومجانية الملاحة في مضيق هرمز أو مقابل رسوم مالية أشبه بخوّات المليشيات، والأهم، ماذا يعني شمول لبنان في الاتفاق تحديداً؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك