دخل الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز النفاذ في 12 يونيو/ حزيران الجاري، وأصبح ملزماً للدول الأعضاء في الاتحاد.
يتكون من عشرة تشريعات تتناول مكونات إجرائية وفنية وأمنية للجوء والهجرة، وضبط الحدود الأوروبية، وتحمل أعباء استقبال اللاجئين وتوزيعها بين الدول الأوروبية.
تسعة من هذه التشريعات واجبة النفاذ مباشرة في الدول الأعضاء منذ دخول الميثاق حيز النفاذ، ويضمّ التشريع الأخير معايير توجيهية سيتم إدماجها داخل الدول الأعضاء من خلال تشريعات وطنية جديدة في إطار زمني محدّد.
وقد استغرق العمل والتوافق السياسي الحكومي والبرلماني على هذا الميثاق أكثر من عامين، وشكل محاولة سياسية من المفوضية الأوروبية في بروكسل لاحتواء غضب اليمين المتطرّف الأوروبي الصاعد، وأيضاً تحديث سياسات اللجوء في الاتحاد للتعامل مع تداعيات الأزمات التي واجهتها دول الاتحاد الأوروبي في التعامل مع موجات اللجوء والهجرة غير النظامية التي تدفقت على دول الأطراف الحدودية للاتحاد الأوروبي منذ عام 2014، خصوصاً من الدول العربية التي شهدت صراعات مسلحة داخلية، مثل سورية وليبيا واليمن والسودان، بالإضافة إلى تصاعد المحاولات الجماعية للتسلسل عبر الحدود من مصر وتونس والمغرب للوصول إلى السواحل الأوروبية فراراً من الاستبداد والفقر.
ستكون للميثاق تداعيات على الدول والمجتمعات العربية، خصوصاً دول الجنوب المطلّة على ساحل البحر المتوسط.
سيخضع المتقدّمون من الدول العربية لطلب الحماية واللجوء في أوروبا لإجراءات صارمة، خصوصاً القادمين من الدول التي صنفها الاتحاد الأوروبي آمنةً، مثل مصر وتونس والمغرب، وهي بالطبع ليست آمنة من الناحية الحقوقية، لكن الاعتبارات السياسية والاستراتيجية للحكومات والمؤسسات الأوروبية كان لها الغلبة لكسب ود حكومات هذه الدول، للحصول على تعاونها المطلق في ضبط الحدود الجنوبية لأوروبا، والاستعداد مستقبلاً لاستضافة مراكز إعادة طالبي اللجوء والمهاجرين غير النظاميين تمهيدا لترحيلهم إلى دولهم أو دول ثالثة تقبل استضافتهم.
في هذا السياق، تبنّت مصر قانوناً جديداً للجوء بتشجيع من الاتحاد الأوروبي، لكي تقدم الحكومة المصرية نفسها أوروبياً من الدول الشريكة لأوروبا، وتستطيع التعاون الوثيق في حماية أوروبا من انتقال طالبي اللجوء والمهاجرين، خصوصاً من أفريقيا جنوب الصحراء.
ومن المفارقات أنه منذ تبني هذا التشريع في مصر ازدادت بشكل صارخ حالات اضطهاد طالبي اللجوء واعتقالهم وترحيلهم، خصوصاً من السودان وسورية.
وقد كشف تحقيق نشر في صحيفة الغارديان البريطانية الشهر الماضي هذه الممارسات الصارخة التي ترتكب في حق اللاجئين في مصر.
وبحسب" الغارديان" فإن أعداداً متزايدة من اللاجئين السودانيين الذين فرّوا من الحرب الأهلية في السودان لم يعودوا يروْن مصر ملاذاً آمناً، بل محطّة مؤقتة، تدفعهم إلى التفكير في الهجرة نحو أوروبا رغم مخاطرها.
وينقل التحقيق شهادات عن معاناة واسعة تشمل الفقر الشديد، والتمييز العنصري ضد السودانيين، والاستغلال في سوق العمل، وصعوبات الحصول على الإقامة والخدمات الأساسية، إضافة إلى الاعتقالات التعسفية وحالات الاختفاء القسري والترحيل إلى السودان، بصرف النظر عن المخاطر التي قد يتعرّض لها المرحلون.
سيعزّز هذا التطور التشريعي في أوروبا التعاون مع دول جنوب المتوسط، عبر تقديم الدعم المالي السخي للمساعدة في التحكّم في انتقال الأفراد، وقد بدأت بالفعل هذه الصفقات منذ عام، عبر ما تُعرف بالشراكات الاستراتيجية الشاملة مع الدول العربية جنوب المتوسط، وتقديم دعم مالي خفف على دولة مثل مصر من أزمتها الاقتصادية والمالية الطاحنة.
ستمضي أوروبا في تأسيس مراكز استقبال في دول شريكة لتخفيف أعباء استقبال طالبي اللجوءوقد تعرّضت الإجراءات الجديدة التي بدأت التنفيذ في الاتحاد الأوروبي لطلب الحماية واللجوء لانتقادات من المحامين والمنظمات الإنسانية، لأنها ستفرض ضغوطاً جسيمة على أعناق فئة من الأفراد المستضعفين لإثبات حاجتهم للحماية.
أدخل الميثاق آلية لتسريع البتّ في طلبات اللجوء بشكل يهدّد ضمانات الدفاع والتمثيل القانوني لطالبي اللجوء، واحتمال احتجازهم عند مراكز الحدود، مع تسريع عملية ترحيل المرفوضة طلباتهم واستبعادهم.
وستمضي أوروبا في تأسيس مراكز استقبال في دول شريكة لتخفيف أعباء استقبال طالبي اللجوء، وتحويلهم إلى هذه المراكز بعيداً عن الأراضي الأوروبية.
ستستمر قضية التحكّم في موجات انتقال الأفراد إلى الدول الأوروبية باعتبارها القضايا المركزية في الجدل السياسي والإعلامي في هذه الدول، وقد أصبحت ترسم المستقبل السياسي للأحزاب والمرشّحين في الانتخابات العامة تلو الأخرى.
لا يستطيع السياسيون الأوروبيون حتى الأكثر تقدّمية تجنب الخوض في هذه القضية، وأحياناً تبنّي بعض مواقف اليمين المحافظ للحصول على أصوات قواعد هذا اليمين المحافظ وتأييدها هي الآخذة في التوسّع بشكل متسارع.
قد يشكل هذا الميثاق آلية لحماية أوروبا على المدى القصير، لكنه وحده لن ينهي أزمة اللجوء والهجرة، طالما بقيت مسبّباتها المصدّرة إليها من دول جنوب المتوسط، والتي يتقدّمها شيوع الاستبداد السياسي والصراعات المسلحة المتجدّدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك