ندرة من البشر يشكلون علامة فارقة في التاريخ، ولكل فن من الفنون عظماؤه وكبراؤه، وفي سياق الخط العربي يبرز بقوة كبير الخطاطين وفاتحة بابهم: الوزير الخطاط ابن مقلة، الذي لم يكن مجرد خطاط حسن الخط، بل هو مهندس الخط الذي نقل الخط العربي من الكثرة والعشوائية إلى علم متقن له فنونه وقواعده.
هو أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة (272 – 328 هـ / 886 – 940 م)، الوزير العباسي الشهير والخطاط العبقري الذي يعد واضع القواعد الهندسية الأولى للخط العربي، ومبتكر الخط المنسوب.
ولد في بغداد في عائلة اشتهرت بالخط؛ فوالده وأخوه أبو عبد الله الحسن كانا من الخطاطين المبرزين.
تقلب ابن مقلة في مناصب الدولة حتى تولى الوزارة ثلاث مرات لثلاثة من خلفاء بني العباس: المقتدر بالله، والقاهر بالله، والراضي بالله.
غير أن حياته السياسية كانت مليئة بالنكبات والمؤامرات؛ إذ عزل من منصبه وصودرت أمواله، وفي أواخر حياته قطعت يده اليمنى بأمر من الخليفة الراضي نتيجة وشاية من خصومه.
لكنه لم يستسلم لقطع يده، بل ربط القلم على ساعده واستمر يكتب، كما قيل إنه تعلم الكتابة بيده اليسرى وأجاد فيها إجادة تامة.
إلا أن محنته لم تنته عند ذلك، بل قطع لسانه وسجن حتى توفي في محبسه.
وضع القواعد الأساسية للخطوط التي أصبحت تعرف لاحقا بالأقلام الستة (النسخ، والثلث، والمحقق، والريحاني، والتوقيع، والرقاع)، وصحح أشكالها وأعطاها هويتها المتميزةيعد ابن مقلة المنعطف الأبرز في تاريخ الخط العربي، وتتلخص أهم إنجازاته في الآتي:هندسة الحروف: هو أول من وضع مقاييس دقيقة للحروف العربية مستندا إلى" النقطة" (التي تصنع برأس قلم الخط) معيارا قياسيا، وجعل الألف القطر الأساسي الذي تقاس عليه باقي الحروف، وضبط أبعاد الحروف داخل الدائرة.
الخط المنسوب: نجح في نقل الخط العربي من خط كوفي جاف يعتمد على الأشكال الهندسية القاسية إلى خطوط لينة وسلسة، عرفت باسم" الخط المنسوب" (أي المنسوب إلى الأبعاد والمقاييس الهندسية الدقيقة).
تطوير الخطوط الستة: وضع القواعد الأساسية للخطوط التي أصبحت تعرف لاحقا بالأقلام الستة (النسخ، والثلث، والمحقق، والريحاني، والتوقيع، والرقاع)، وصحح أشكالها وأعطاها هويتها المتميزة.
اعتمد ابن مقلة على ثلاثة عناصر رئيسية للهندسة:النقطة: وهي الوحدة القياسية الأساسية؛ إذ يقاس طول الحرف وعرضه بعدد النقاط.
الألف: واعتبرها معيارا أساسيا، وطولها يساوي عددا معينا من النقاط (غالبا سبع نقاط بحسب نوع القلم).
الدائرة: واعتبر أن جميع الحروف يجب أن تنبثق أو تقاس بناء على دائرة قطرها خط الألف، فجعل الحروف المقوسة (مثل النون، والقاف، والصاد) تدور في فلك هذه الدائرة.
بفضل هذا النظام الهندسي، تحول الخط العربي من تدوين عشوائي خاضع لتقدير الخطاط الشخصي إلى فن علمي رفيع يدرس وينقل عبر الأجيال بالقواعد والضوابط.
ترك ابن مقلة رسائل مهمة في علم الخط، من أشهرها" رسالة في علم الخط والقلم"، التي تضمنت قواعده الأساسية في تشريح الحروف ومقاييسها، لتظل طريقته هي الأساس الذي بنى عليه الخطاطون من بعدهأثنى عليه كثير من المؤرخين والعلماء، فقال عنه ابن النديم في كتاب" الفهرست": " هو إمام أهل الخط، وأوحد عصره، ومن أجاد الخطوط كلها وضبط مقاييسها".
وقال عنه المؤرخ ياقوت الحموي: " لم يظهر في دهرنا هذا من يكتب مثل كتابة ابن مقلة، فهو الذي هندس الخط وأخرجه من حيز الرسامة إلى حيز الإبداع".
ترك ابن مقلة رسائل مهمة في علم الخط، من أشهرها" رسالة في علم الخط والقلم"، التي تضمنت قواعده الأساسية في تشريح الحروف ومقاييسها، لتظل طريقته هي الأساس الذي بنى عليه الخطاطون من بعده، ولا سيما ابن البواب وياقوت المستعصمي.
هل كان في بطون التاريخ من هو أعلى قدرا من ابن مقلة في هذا المضمار؟ لا أحد يعلم، ولا يظن أن يعلم؛ فإن هذا أمر دفنته طبقات التاريخ، ولم يبق إلا أن ابن مقلة كان العلامة الفارقة الذي دمج بين الفن والهندسة، كما فعل ليوناردو دافنشي عندما دمج بين الرسم والهندسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك