لندن- “القدس العربي”: تساءل المعلق في صحيفة “الغارديان” جورج مونبيوت، عن نفاق الحكومة البريطانية واليمين المتطرف المهووس بما يطلق عليه “مستويين من المعاملة” أو بعبارة بسيطة “ازدواجية” الشرطة في التعامل مع جماعات دون أخرى.
وقال في مقالته، مشيرا إلى تصريحات وزير شؤون أيرلندا الشمالية، هيلاري بن، الأسبوع الماضي، والتي تساءل فيها: “إذا كنتم تستهدفون الناس على أساس لون بشرتهم، فكيف يمكنكم وصفهم بغير ذلك؟ هذه بلطجة عنصرية”، وهو كذلك.
لكن الكاتب يعتقد أن ثمة وصفا آخر لأفعال مثيري الشغب الذين أحرقوا منازل الناس في بلفاست، مع أن الوزراء يعجزون عن النطق به، إنه الإرهاب.
ويتوافق العنف في شمال أيرلندا، بوضوح، مع تعريف الحكومة له، وهو: “استخدام أو التهديد” بأفعال تهدف إلى “ترهيب العامة” بغرض “الترويج لقضية سياسية أو دينية أو عرقية أو أيديولوجية”.
ومن بين هذه الأفعال “العنف الخطير ضد شخص” و”الإضرار الجسيم بالممتلكات”، مع أن بند الممتلكات يضفي غموضا على المسألة.
يتوافق العنف في شمال أيرلندا، بوضوح، مع تعريف الحكومة له، وهو: “استخدام أو التهديد” بأفعال تهدف إلى “ترهيب العامة” بغرض “الترويج لقضية سياسية أو دينية أو عرقية أو أيديولوجية”ولكن، على أي حال، كيف يمكن ألا تنطبق هذه التعريفات على هجمات بلفاست؟ويعلق مونبيوت قائلا إن هذا المصطلح لا يستخدمه الوزراء إلا ضد أولئك الذين يعارضون تحركات إسرائيل في غزة.
مع أن تطبيق التعريف الرسمي للإرهاب على احتجاجات “بالستاين أكشن” أو حركة العمل الفلسطيني يعتبر أكثر صعوبة بكثير من تطبيقه على أعمال الشغب في بلفاست.
فبينما اعتقل أكثر من 3,000 شخص لرفعهم لافتات داعمة للجماعة المحظورة، ويواجه العديد منهم تهما بالإرهاب، لم يوجه أي اتهام لأي شخص في بلفاست أو ساوثهامبتون بارتكاب جرائم إرهابية.
وكذلك لم يوجه أي اتهام لمن حرضوا على أعمال الشغب عبر الإنترنت.
وفي الواقع، لم توجه أي تهمة حتى الآن إلى هذه المجموعة الأخيرة، وإذا قلت “أنا أدعم بالستاين أكشن”، فقد يزج بك في السجن، لكن إن حرضت على أعمال شغب عنصرية، فستتاح لك فرصة الظهور على شاشة التلفزيون.
وأشار الكاتب إلى قرار محكمة الاستئناف، التي أيدت فيه يوم الاثنين حظر الحكومة لمجموعة “بالستاين أكشن”، في حكم يبدو أنه يسلط الضوء على اتساع تعريف الحكومة الخطير للإرهاب وعدم المساواة في تطبيقه.
وكما تشير منظمة “ليبرتي” الحقوقية، فإن الحكم لا يوضح أي عمل مباشر يستهدف الممتلكات لا يمكن اعتباره إرهابا.
فقد قررت وزيرة الداخلية السابقة، إيفيت كوبر، حظر المجموعة بعد أن قام بعض أعضائها برش طلاء على طائرتين حربيتين.
ولطالما اعتبر إتلاف المعدات العسكرية بهدف منع استخدامها، لا سيما في الحروب غير المشروعة، عملا من أعمال العصيان المدني بدافع الضمير، وقد برأت بعض هيئات المحلفين المتهمين بناء على هذا الأساس.
ويعلق الكاتب أن قرار محكمة الاستئناف نجح في تصنيف الاحتجاج كإرهاب، والإرهاب كاحتجاج.
فـ”بالستاين أكشن” ليست، كما تدعي المحكمة، جماعة احتجاجية تمارس العصيان المدني المباشر، مثل حركة المطالبات بحق المرأة في التصويت، وتعمل بشفافية وعلانية.
ماذا؟ !ويجيب: “يبدو لي أن الحكم برمته مبني على خرافات: حول الديمقراطية وكيفية تطورها وطبيعة الدولة الحميدة وفعالية الاحتجاج السلمي غير المرئي والمسار الهادئ للتاريخ الإنجليزي”.
وذكر القضاة أن حظر “بالستاين أكشن” “لن يمنع أيا من المظاهرات التي تستهدف شركة إلبيت”، وهي شركة تصنيع أسلحة تزود الجيش الإسرائيلي، والتي كانت مصانعها في بريطانيا محور تركيز رئيسيا للجماعة.
وقبل ذلك بيومين، دعا جون وودكوك، المسؤول السابق عن مكافحة التطرف في الحكومة، إلى توسيع نطاق الحظر ليشمل جماعة “الشعب ضد الإبادة الجماعية”، التي أغلقت أبواب مصانع إلبيت، وهنا بدأ التدهور بالفعل.
وقد يتفاقم الوضع أكثر، ففي محكمة وولويتش، نهاية الأسبوع الماضي، حكم على أربعة متظاهرين من حركة “بالستاين أكشن” بتهمة الإرهاب بعد اقتحامهم مصنعا تابعا لشركة “إلبيت”.
والأمر المثير للدهشة في هذه القضية هو أنهم لم يتهموا أو يحاكموا أو يدانوا بتهمة الإرهاب.
في الواقع، قرر المدعون عدم توجيه تهم الإرهاب ضدهم، على الأرجح لاعتقادهم أن هيئة المحلفين لن تدينهم.
ولكن لا يهم، إذ يسمح قانون إصدار الأحكام لعام 2020 للقضاة بالنطق بأحكام السجن على أشخاص لم يحاكموا عليها، بمدد أطول بكثير وشروط أشد قسوة.
قرار محكمة الاستئناف نجح في تصنيف الاحتجاج كإرهاب، والإرهاب كاحتجاج.
فـ”بالستاين أكشن” ليست، كما تدعي المحكمة، جماعة احتجاجية تمارس العصيان المدني المباشروكما وضحت منظمة “أمنستي إنترناشونال”، فحتى وقت قريب، كان ينظر إلى الدافع الأخلاقي للمتظاهرين كعامل مخفف في الأحكام، أما الآن، فينظر إليه كعامل مشدد.
ومما يزيد الأمر سوءا أن هؤلاء المتهمين لم يعد بإمكانهم شرح دوافعهم للمحكمة.
ولكن بمجرد حل هيئة المحلفين، يمكن للقاضي أن يقرر سبب قيامهم بذلك ويصدر الحكم عليهم بناء على ذلك، وهذا ليس عدلا.
وقد وقع الفعل الذي أدينوا بسببه قبل حظر حركة “بالستاين أكشن” كجماعة إرهابية، وهذا يعني أن أي متظاهر يشارك في عمل مباشر يمكن الآن الحكم عليه بالإرهاب، سواء حظرت جماعته أم لا.
ويقول مونبيوت إن القاضي جونسون سعى، وبشكل مثير للدهشة، ربما لأول مرة في التاريخ، إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المحامي الذي يمثل متظاهري حركة “بالستاين أكشن” بتهمة ازدراء المحكمة بسبب تلخيصه لقضية الدفاع.
وادعى جونسون أن راجيف مينون، المحامي البارز، خالف تعليماته بعدم إخبار هيئة المحلفين بأن لها الحق في تبرئة المتهمين بغض النظر عن توجيهاته، وهو مبدأ قديم وأساسي في القانون الإنكليزي.
واعتمدت الحكومة بشكل كبير على اعتداء أحد المتظاهرين، صامويل كورنر، على ضابط شرطة بمطرقة ثقيلة.
ولكن، على الرغم من تهور وشدة الاعتداء، فقد أدين بتهمة إلحاق أذى جسدي خطير دون قصد، حيث أصيب بالذعر بعد أن رش وجهه بمادة “بافا” المشلة.
ولأنه لم يكن قادرا على الرؤية بوضوح، اندفع إلى الأمام لمساعدة متظاهر آخر.
وبعبارة أخرى، لم يكن العنف ضد الناس هو هدف الجاني الوحيد، ناهيك عن جماعة “بالستاين أكشن”.
في المقابل، كان من الواضح أن بعض مثيري الشغب في بلفاست وساوثمبتون يقصدون إيذاء ضباط الشرطة وغيرهم.
وكانت بعض الجماعات شديدة التنظيم، وحدد الصحافيون الاستقصائيون عدة جماعات تساعد في التحريض على العنف أو تنظيمه.
ومن الصعب العثور عليها في قائمة الحكومة للمنظمات المحظورة.
ولذا، عند النظر في سؤال الوزير بن: كيف يمكننا وصف ما نشهده بطريقة أخرى؟ نجد إجابة ثانية ذات صلة، وهي أن هناك معاملة لليمين وأخرى لليسار.
بعبارة أخرى، عدالة ذات مستويين.
ويجب ألا يمنعنا استحواذ اليمين المتطرف على هذا المصطلح، الذي استخدمه النشطاء السود لما لا يقل عن 45 عاما، من استعادته مرة ثانية.
والعدالة ذات المستويين حقيقة واقعة ودائمة.
لكن آخر من سيجد نفسه في الجانب الخاطئ منها هم الرجال البيض اليمينيون.
ويقول مونبيوت إن الحكومة والنظام القضائي يتعاملان مع إرهاب اليمين المتطرف بتساهل أكبر من المعارضة اليسارية.
لذا، ربما يقودنا هذا إلى إجابة أخرى على سؤال عن كيفية وصف ما نشهده على أفضل وجه: قد تكون حكومة عمالية اسميا، لكن هذا استبداد يميني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك