في السياسة، ينجذب الناس إلى الأحداث الصاخبة، إلى الصواريخ التي تُطلق، والجيوش التي تتحرك، والبيانات التي تتصدر الشاشات، ويظنون أن النفوذ يُقاس بحجم الضجيج الذي تصنعه الدول حول نفسها، بينما تكشف التجارب الكبرى أن أكثر الدول تأثيرًا ليست دائمًا تلك التي تصنع الحدث، بل تلك التي تمنع وقوع أحداث أخطر دون أن يشعر بها أحد، فالحروب التي لم تقع، والأزمات التي لم تتوسع، والأسواق التي لم تنهَر، والتحالفات التي لم تتفكك، كلها إنجازات سياسية حقيقية، لكنها لا تحظى عادة بالعناوين الكبرى، لأن الإنسان بطبيعته يرى ما حدث أكثر مما يرى ما تم منعه من الحدوث.
خلال العقود الماضية، اعتاد الشرق الأوسط أن يتحول إلى ساحة تتدحرج فيها الأزمات بسرعة من حادث محدود إلى مواجهة واسعة، فالرصاصة الأولى كثيرًا ما كانت تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، والقرارات الانفعالية كانت تدفع دولاً بأكملها إلى معارك لم تختر توقيتها ولا أهدافها، غير أن المشهد الإقليمي في السنوات الأخيرة بدأ يكشف عن نمط مختلف من التفكير السياسي، يقوم على إدارة المخاطر قبل وقوعها، وعلى قراءة النتائج النهائية قبل الانخراط في البدايات المثيرة، وهنا تحديدًا برزت قيمة المدرسة السعودية الجديدة في السياسة الخارجية، وهي مدرسة لا تبحث عن بطولة إعلامية مؤقتة، بل عن استقرار طويل الأمد يحفظ المصالح الوطنية والإقليمية في آن واحد.
المعضلة التي تواجه الدول المؤثرة في مناطق التوتر لا تتمثل في قدرتها على الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، فذلك غالبًا هو الخيار الأسهل، بل في قدرتها على المحافظة على استقلال قرارها عندما يحاول الجميع دفعها إلى الاصطفاف، لأن الاستقطاب الحاد يمنح الآخرين فرصة استخدام الجغرافيا والاقتصاد والأمن الوطني كأدوات ضمن صراعاتهم الخاصة، والتاريخ مليء بدول دفعت أثمانًا باهظة لأنها سمحت للآخرين بتحديد أولوياتها بدلاً من أن تحدد أولوياتها بنفسها، لذلك فإن المحافظة على هامش القرار المستقل ليست موقفًا محايدًا كما يتصور البعض، بل هي في كثير من الأحيان أكثر المواقف صعوبة وأكثرها قيمة على المستوى الاستراتيجي.
من الأخطاء الشائعة في قراءة الأزمات الإقليمية الاعتقاد أن النجاح يتحقق فقط عند تحقيق مكسب مباشر على حساب الخصم، بينما تكشف الخبرة السياسية أن المكسب الحقيقي أحيانًا يتمثل في منع الآخرين من تحقيق أهدافهم، فحين تُبذل جهود لدفع منطقة بأكملها نحو مواجهة أوسع، ثم تفشل تلك الجهود، فإن الفشل هنا ليس حدثًا عابرًا بل نتيجة سياسية قائمة بذاتها، لأن بعض المشاريع لا تحتاج إلى أن تُهزم عسكريًا كي تسقط، بل يكفي أن تُحرم من البيئة التي تسمح لها بالنمو، وهذا ما يجعل مفهوم الاحتواء أكثر أهمية في كثير من الأحيان من مفهوم المواجهة.
لهذا السبب، فإن قراءة التحولات الإقليمية لا ينبغي أن تنطلق من سؤال من انتصر على من، بل من سؤال أكثر عمقًا، وهو من استطاع الحفاظ على مصالحه دون أن يستهلك موارده في معارك إضافية، فالدولة الناجحة ليست التي تدخل كل مواجهة، بل التي تعرف أي المواجهات تستحق الدخول إليها أصلاً، وأيها يجب أن تبقى خارج حدودها، والفرق بين الدول الصاعدة والدول المنهكة يكمن غالبًا في هذه النقطة بالتحديد، لأن الاستنزاف يبدأ عادة عندما تتحول الدولة من صانع قرار إلى مجرد مستجيب لضغوط الآخرين.
في السنوات الأخيرة، بنت المملكة العربية السعودية شبكة واسعة من العلاقات والمصالح مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، ولم يكن الهدف من ذلك جمع الصور التذكارية أو توسيع البروتوكولات الدبلوماسية، بل بناء قدرة سياسية تمنحها مساحة حركة أكبر في الأزمات، فالدول التي تتحدث مع طرف واحد فقط تصبح رهينة لهذا الطرف، أما الدول التي تمتلك قنوات اتصال متعددة فإنها تتحول إلى لاعب قادر على التأثير لا مجرد متلقٍّ لنتائج قرارات الآخرين، وهذه إحدى أهم التحولات التي شهدتها السياسة السعودية الحديثة.
القوة في عالم اليوم لم تعد تُقاس فقط بعدد الطائرات أو حجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدولة على حماية اقتصادها، وتأمين استقرارها الداخلي، والمحافظة على شبكة علاقاتها الدولية، والاستمرار في تنفيذ مشاريعها التنموية مهما كانت العواصف المحيطة بها، فالقوة الحديثة أصبحت مزيجًا من الردع والاقتصاد والدبلوماسية والثقة الدولية، والدولة التي تنجح في حماية هذه العناصر أثناء الأزمات تكون قد حققت إنجازًا استراتيجيًا حتى لو لم تطلق رصاصة واحدة.
لهذا، فإن بعض أهم الانتصارات السياسية في القرن الحادي والعشرين لن تُكتب في كتب المعارك، بل في سجلات الأزمات التي لم تنفجر، والأسواق التي لم تنهَر، والتحالفات التي لم تتفكك، والدول التي رفضت أن تتحول إلى أدوات في صراعات الآخرين، فالحكمة السياسية ليست في القدرة على رفع مستوى التوتر دائمًا، بل في معرفة اللحظة التي يجب فيها منع التوتر من الارتفاع، وهذه مهارة لا تقل أهمية عن مهارة إدارة الحروب نفسها، بل قد تكون في أحيان كثيرة أكثر قيمة وأكثر أثرًا على مستقبل الشعوب والدول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك