في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي أحد أبرز المؤثرات في تشكيل الرأي العام وتوجيه السلوك الاستهلاكي والاستثماري، برزت ظاهرة جديدة تتمثل في استخدام هذه المنصات كأداة لصناعة صورة ذهنية عن النجاح والثروة، قد تعكس الواقع أحياناً وتبتعد عنه في أحيان أخرى.
وبينما يرى البعض أن المؤثرين أسهموا في دعم الشركات الناشئة والتعريف بالمشروعات الواعدة وجذب المستثمرين والعملاء خلال فترات زمنية قصيرة، يحذر آخرون من تحول بعض المحتويات إلى أدوات لتضخيم الثروات وصناعة أوهام الرفاهية والنجاح السريع، وخداع الناس وربما تضليل مؤشرات الأسواق.
وفي هذا السياق، استطلعت" اندبندنت عربية" آراء عدد من الخبراء والمختصين الذين ناقشوا تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل مفهوم الثروة، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه المنصات الرقمية بين الترويج المشروع وصناعة الانطباعات المضللة.
أكد الخبير الاقتصادي خالد الدوسري أن العديد من رجال الأعمال باتوا يعتمدون اليوم على من يُعرفون بمؤثري وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لمشروعاتهم واستثماراتهم، في ظل الدور المتنامي الذي تلعبه هذه المنصات في تشكيل الرأي العام والتأثير في القرارات الشرائية والاستثمارية.
بين التضليل والوصول السريعوأوضح أن" السنوات الأخيرة شهدت نماذج عالمية ومحلية عديدة تم فيها توظيف وسائل التواصل الاجتماعي للتسويق لاستثمارات ومشروعات متنوعة، فأصبحت هذه المنصات جسراً سريعاً للوصول إلى الجمهور والتأثير في توجهاته وقراراته المالية".
وأشار الدوسري إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على دعم الشركات الناشئة الواعدة، ومساعدتها في جذب العملاء والمستثمرين المحتملين خلال فترة زمنية قصيرة، ما يجعلها أداة فعالة لتعزيز النمو والابتكار.
إلا أنه حذر في الوقت ذاته من المبالغة في عرض الحقائق وتضخيم الصورة الحقيقية لبعض الاستثمارات أو العوائد المتوقعة منها، الأمر الذي" قد يخلق تصورات غير واقعية لدى المتابعين".
وشدد على أن الحفاظ على سلوك معتدل في الترويج، يبتعد عن الترويج المضلل أو صناعة أوهام الثراء السريع، " مسؤولية مشتركة بين المؤثرين ورجال الأعمال، بما يضمن تقديم محتوى موثوق يسهم في رفع الوعي الاستثماري ويحمي الجمهور من الوقوع في قرارات مبنية على معلومات مضللة".
الكاتب موسى عساف، أكد أن قطاع الأعمال اليوم أصبح يشهد تحولاً متزايداً في أدواته التسويقية، مع تصاعد اعتماد الشركات ورجال الأعمال على مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، كقناة ترويجية بديلة، مشيراً إلى أن هذا التحول يعزز إعادة تشكيل آليات التسويق والاستثمار في العلامات التجارية" بما يتيح للشركات توسيع نطاق انتشارها وتعزيز حضورها السوقي بكلفة أقل وسرعة أعلى، في مقابل تحديات تتعلق بقياس العائد الحقيقي على الاستثمار وضبط مصداقية الرسائل التسويقية".
وفي هذا السياق؛ لفت عساف، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم منصات لإعادة تشكيل ما يمكن أن يطلق عليه مفهوم الثروة، خصوصاً لدى فئة الشباب والناشئة.
ويرى أن من أبرز الأساليب المستخدمة هو" تركيز عدد من المؤثرين على إبراز مظاهر الرفاهية والفخامة، سواء عبر السفر أو السيارات أو الإقامات في الفنادق الفاخرة، مع تجاهل السياق المالي الكامل والذي قد يشمل التزامات أو أنماط إنفاق غير مستدامة، وهو ما يخلق انطباعاً مضخماً بالثراء مقارنة بالواقع".
وأضاف عساف أن" بعض صناع المحتوى قد يلجأون إلى استئجار مظاهر فاخرة، مثل السيارات أو الساعات، بهدف إنتاج محتوى يوحي بالثراء الفاحش، في حين أن ذلك لا يعكس بالضرورة الواقع الفعلي".
ولاحظ أن جزءاً من هذا المحتوى ينتج بعناية عالية من خلال التحكم في الإضاءة وزوايا التصوير وأساليب المونتاج، وهو ما يمكن بحسب قوله أن" يعزز الإحساس بالفخامة ويحول مشاهد الحياة اليومية إلى صورة نمط لحياة استثنائية".
مؤكداً أن خوارزميات منصات التواصل تسهم بدورها في تعزيز هذا النمط.
وفي تفكيكه لهذه التصرفات، أشار إلى أنها غدت صناعة" لا تقوم على ما يمكن أن يطلق عليه الكذب البصري فقط، بل على منظومة متكاملة من الانتقاء والتصميم والحوافز الاقتصادية، وهو ما قد يجعل من إبراز الثراء أداة بحد ذاتها، حتى عندما لا يعكس ذلك الواقع المالي الحقيقي لصاحبها".
أوضحت المتخصصة في الاقتصاد البحرينية نورة الفيحاني أن إظهار الثراء غير الحقيقي" يعتمد في كثير من الأحيان على صناعة الوهم وتسويق صورة ذهنية قائمة على ذلك، فبعض المؤثرين يسعون إلى تقديم أنفسهم على أنهم يعيشون مستويات عالية من الرفاهية، من خلال التعاون مع فنادق فاخرة أو علامات تجارية عالمية للساعات والمجوهرات والسيارات الحديثة، بهدف إنتاج محتوى يوحي بأسلوب حياة استثنائي".
وأشارت إلى أن الوصول إلى هذا النوع من الشراكات يتطلب غالباً وجود قاعدة جماهيرية واسعة وشهرة تراكمت على مدى سنوات.
وأضافت الفيحاني أن ما يعرف بـ" استوديوهات الرفاهية الجاهزة" أصبح من الأدوات الشائعة في صناعة المحتوى، إذ يمكن استئجار مواقع مجهزة تحاكي مقصورات الطائرات الخاصة أو الأجنحة الفندقية الفاخرة ذات الإطلالات المميزة، مع توفير الإضاءة والتجهيزات الاحترافية.
وفي بعض الحالات" لا تتجاوز تكلفة إنتاج صورة توحي بالسفر على متن طائرة خاصة بضع مئات من الدولارات، بينما تحقق هذه الصورة عوائد تجارية وتسويقية قد تصل إلى آلاف الدولارات".
ولفتت إلى أن بعض المطاعم الراقية تسمح للمؤثرين بالتصوير داخل أقسام كبار الزوار مقابل وجبات مجانية أو مبالغ رمزية، بما يمنح المتابع انطباعاً بأنهم من رواد هذه الأماكن بصورة دائمة.
كذلك يلجأ آخرون إلى تصوير محتوى داخل عقارات فاخرة معروضة للبيع بملايين الدولارات، ثم تقديمها للجمهور على أنها ممتلكاتهم الخاصة من دون توضيح حقيقة الأمر.
وأشارت الفيحاني إلى وجود منصات متخصصة تؤجر الساعات والحقائب الفاخرة باليوم أو بالساعة، بحيث يتمكن المؤثر من الظهور بمقتنيات مرتفعة القيمة مقابل مبالغ محدودة، " لينتج من خلالها محتوى يكفي لأسابيع أو أشهر من النشر، في حين أن امتلاك تلك المقتنيات فعلياً قد يتطلب استثمارات مالية ضخمة".
دعم الأعمال الخيرية لجذب التفاعلسوق التزييف وفق الاختصاصية البحرينية لا يستثني التعاون مع الأعمال الخيرية، إذ تكشف عن أن" بعض صناع المحتوى يوظفون الأعمال الخيرية والمساعدات الإنسانية كوسيلة لجذب التفاعل والمشاهدات، من خلال تصوير تقديم الأموال أو السيارات أو الهدايا مرتفعة القيمة للأشخاص المحتاجين، وهو محتوى يحصد في كثير من الأحيان أرقاماً قياسية من المشاهدات والتفاعل".
وبينت أن العلاقة بين المؤثرين والشركات ورجال الأعمال لم تعد تقتصر على الإعلانات الفردية أو الحملات المحدودة، بل" تطورت لتشمل شراكات استراتيجية وصفقات متكاملة قد تتضمن حصص ملكية وإطلاق مشاريع مشتركة، الأمر الذي أعاد رسم خريطة التسويق والاستثمار في العصر الرقمي".
وأكدت أن من أبرز الأمثلة على تنامي هذا الاتجاه ارتفاع قيمة العقود المبرمة مع الممثلين والرياضيين وعارضات الأزياء لتقديم تجاربهم أو الترويج للمنتجات والعلامات التجارية، وهو أسلوب تتبعه مئات الشركات العالمية" بهدف تعزيز ثقة المستهلك وجذب شرائح أوسع من العملاء".
كذلك أشارت إلى أن عدداً من الرياضيين والمشاهير وعارضات الأزياء باتوا يمتلكون شركاتهم الخاصة ومشروعاتهم الاستثمارية، فيما أطلق بعضهم علامات تجارية وماركات جديدة استطاعت الاستحواذ على حصص مؤثرة في أسواق المنتجات الفاخرة.
اقتصاد الصورة وفقاعات الثروةمن جهته، أكد أستاذ المحاسبة في جامعة الطائف الدكتور سالم باعجاجة أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في خلق اقتصاد جديد يقوم على الصورة والانطباع الذهني بقدر ما يقوم على الحقائق والأرقام، مشيراً إلى أن بعض رجال الأعمال وأصحاب المشاريع باتوا يلجأون إلى المؤثرين والمشاهير ليس فقط للترويج لمنتجاتهم وخدماتهم، بل" لبناء هالة اجتماعية تعزز حضورهم وتمنحهم صورة ذهنية توحي بمكانة مالية أو اقتصادية أكبر".
وأوضح أن ظهور رجال الأعمال برفقة المشاهير داخل سيارات فارهة أو فنادق فخمة أو مناسبات حصرية يرسل رسائل غير مباشرة للجمهور توحي بالنجاح والثروة والنفوذ، مبيناً أن هذه الممارسات قد تكون جزءاً من استراتيجيات تسويقية مشروعة تهدف إلى بناء العلامة الشخصية وتعزيز الثقة، إلا أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الصورة إلى مبالغة تصنع انطباعاً لا يعكس الواقع الفعلي لحجم الثروة أو النشاط التجاري.
وأشار باعجاجة إلى أن اقتصاد المؤثرين أصبح أحد أبرز مظاهر التحول الرقمي، إذ يعتمد كثير من صناع المحتوى على الإعلانات والرعايات التجارية والتسويق بالعمولة وبيع المنتجات الرقمية والاشتراكات المدفوعة، لافتاً إلى أن الجمهور نفسه تحول إلى أصل اقتصادي يمكن استثماره وتحويله إلى مصدر دخل مستدام.
وأكد أن ما يعرف بمبدأ" الدليل الاجتماعي" أصبح من أكثر الأدوات تأثيراً في تشكيل قناعات الجمهور، إذ تسهم أعداد المتابعين والتفاعل الكبير واستعراض أنماط الحياة الفاخرة في تعزيز الثقة بالأشخاص والعلامات التجارية، وهو ما يدفع الشركات إلى الاستثمار بكثافة في بناء صورتها العامة.
وتفرض الجهات التنظيمية في السعودية رقابة صارمة لحظر الإعلانات التي تقدم وعوداً وهمية أو تروج لمسابقات غير مصرحة وصناديق استثمارية مزيفة، مع منع نشر وتداول أي مواد إعلامية تتضمن معلومات كاذبة أو مضللة، بهدف حماية المستهلكين من الاحتيال المالي والتضليل.
وتقول هيئة تنظيم الإعلام في البلاد إنها تلاحق المخالفين إلى اللجان القضائية والإعلامية المختصة لتطبيق العقوبات النظامية بحقهم، مما يضمن بيئة رقمية آمنة وموثوقة.
ثروات على الشاشات وأوهام في الواقعيرى الباحث في الشؤون الاقتصادية والمصرفية الإقليمية عارف خليفة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دوراً بارزاً في تضخيم صورة الثروة لدى بعض الأفراد، مشيراً إلى أن ما يُعرض عبر المنصات الرقمية لا يعكس دائماً الواقع المالي الحقيقي، بل يعتمد في كثير من الأحيان على العرض الانتقائي والاستعراض الرمزي والمبالغة في إظهار مظاهر الرفاهية.
إلا أنه أشار إلى أن شريحة متزايدة من الجمهور بدأت تدرك أن كثيراً من هذه المشاهد لا تتجاوز كونها أدوات تسويقية تهدف إلى جذب الانتباه وتحقيق الانتشار.
ويعتقد أن هذه الظاهرة تؤثر بشكل خاص في فئة الشباب، الذين قد يندفعون وراء المظاهر الاستهلاكية من دون التمييز بين الضروريات والكماليات، لافتاً إلى أن" ثقافة المقارنة الاجتماعية أصبحت من أبرز الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقارن كثير من الأفراد حياتهم بما يشاهدونه يومياً من صور ومشاهد قد تكون بعيدة من الحقيقة".
وأوضح أن ما يعرف بـ" اقتصاد الانتباه" أسهم في تفاقم هذه الظاهرة، إذ إن المحتوى المثير والمبالغ فيه يحقق معدلات مشاهدة وتفاعل أعلى.
وأضاف أن عدداً من الدول بدأ يتعامل بجدية مع هذه الممارسات من خلال تطوير الأنظمة والتشريعات الخاصة بالإعلانات الرقمية، وفرض متطلبات تتعلق بالترخيص والشفافية والإفصاح عن طبيعة الإعلانات ومصادر الدخل، بما يضمن حماية الجمهور من التضليل ويعزز مصداقية المحتوى المنشور على المنصات الرقمية.
الحاجة إلى معايير تنظيميةوأكد خليفة أن وجود معايير تنظيمية واضحة أصبح ضرورة ملحة في ظل اتساع حجم الإنفاق الإعلاني عبر وسائل التواصل، مشيراً إلى أهمية" التحقق من طبيعة الممتلكات والأصول التي يتم استعراضها في بعض الحملات الترويجية، سواء من جانب المعلن أو المعلن له، لضمان عدم تقديم معلومات أو انطباعات مضللة للجمهور".
وفي جانب المكافحة، يرى أن مواجهة هذه الظاهرة" تتطلب تعزيز الثقافة المالية لدى الجمهور من خلال نشر محتوى توعوي يوضح الفارق بين الثروة الحقيقية القائمة على الأصول والاستثمارات والإنتاج، وبين المظاهر الاستهلاكية التي قد تعطي انطباعات غير دقيقة عن الواقع المالي للأفراد".
كذلك دعا إلى تعزيز دور الإعلام في كشف الممارسات المضللة والتمييز بين المحتوى المهني والمحتوى القائم على المبالغة، إضافة إلى تنمية التفكير النقدي لدى المتابعين حتى يتمكنوا من تقييم ما يشاهدونه بصورة أكثر وعي وموضوعية.
وتقول وزارة التجارة السعودية إنها تراقب سوق العروض والإعلانات المضللة عبر جولات التفتيش، التي أسفرت عام 2025 عن 564 ألف جولة، رصدت مئات المخالفات، بما فيها التلاعب بالأسعار والعروض الوهمية وعدم إصدار الفواتير.
وأكدت الوزارة إحالة المخالفين إلى الجهات القضائية، مع عقوبات قد تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة مليون ريال (266 ألف دولار)، داعية المستهلكين إلى التحقق من صحة محتوى الإعلانات عبر القنوات الرسمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك