هل كان ترامب هو من زج إسرائيل تحت إطارات الحافلة (التي كان يقودها هو نفسه)، أم أن نتنياهو هو الذي قرر بأن هذه الطريقة الأسلم للانتحار السياسي؟ لو كانت المسالة قانونية لكان لها جواب في القانون.
فبحسب القانون، يتم إعفاء سائق الحافلة من المسؤولية إذا ثبت أنه انتحار متعمد ولم يكن لديه وقت معقول للتصرف ومنع الضرر.
ولكن في الساحة السياسية، الدراما أكثر تعقيداً.
لنتخيل أن عائلة منفذ الهجوم الانتحاري، أي دولة إسرائيل في هذه الحالة، ستقاضي ترامب بتهمة تشجيع نتنياهو على ارتكاب هذا العمل اليائس، فكلاهما في نهاية المطاف سارا جنباً معاً في حرب محكوم عليها بالهزيمة ضد إيران.
وضغط الرئيس الأمريكي على الدواسة تحت تأثير نشوة السلطة.
ولكن عندها ستجد الدولة نفسها في مواجهة جيش ترامب من المحامين المتعطشين للدماء، الذين سيقدمون دعوى قضائية كبيرة، في السعي إلى إثبات أن نتنياهو هو الذي جر الرئيس الأمريكي، وأقنعه، وضلله إلى حملته الانتحارية في إيران.
ولا يمكن للمرء إلا تخيل حجم التعويضات المطلوب، تخصص ترامب.
لحسن الحظ، ليس هذا سوى سيناريو نظري.
ولكن للأسف، الضرر السياسي الحقيقي ملموس وكبير ودموي، بما في ذلك انهيار مكانة إسرائيل الدولية، وتآكل شديد لقدرة ردعها، وقطيعة استراتيجية مع واشنطن والرأي العام في أمريكا.
لقد تقلص نطاق رد إسرائيل العسكري بشكل غير مسبوق، وتدهورت الثقة الدولية التي ستحتاج إليها إسرائيل بشدة عندما ستخرق إيران الاتفاق.
قد تكون الشكاوى بشأن “المضمون المسمم” لمذكرة التفاهم، التي لا يعرف أحد في إسرائيل، بما في ذلك نتنياهو نفسه، ما تخفيه، قد تكون مبررة.
ولنفترض أن الاتفاق النهائي سيكون سيئاً جداً، وأن آلية الرقابة ستكون ضعيفة، وأن إيران ستستغل أي غموض، وأن العقوبات ستُرفع بسرعة مقابل ثمن زهيد.
في مثل هذه الحالة، لا يجب أن يكون السؤال إذا كان الاتفاق ناقصاً، بل إذا كانت إسرائيل تستطيع مواجهة عواقبه السلبية.
والجواب، بفضل نتنياهو، هو أنها غير قادرة على ذلك.
“يرتكز الدفاع ضد اتفاق إشكالي على ثلاثة أركان، هي: معلومات استخبارية موثوقة حول الانتهاكات، وتعاون كامل مع الولايات المتحدة، والحرية العسكرية في حالة فشل الدبلوماسية.
لقد حطم نتنياهو هذه الأركان الثلاثة.
فالمعلومات الاستخبارية تعتمد على الثقة، التي تعتمد على الشراكة”.
ولكن الشراكة تآكلت سنة تلو سنة.
ففي خطاب الكونغرس في 2015 الذي ألقي في غياب أوباما والازدراء العلني لعلاقات العمل مع إدارة بايدن، وفي السلوك الذي دفع حتى إدارة ترامب إلى التفاوض مع إيران، وتجاهل نتنياهو بشكل صارخ.
عندما ستخرق إيران الاتفاق فمن الضروري أن تصدق واشنطن إسرائيل على الفور وأن تتحرك بسرعة وتقدم دعمها لها.
فهل سيصدق أحد في العاصمة الأمريكية شخصاً وعد بإسقاط النظام في غمضة عين؟ لم يكن التعاون العسكري أقل تضرراً؛ فإمدادات السلاح هو الجزء الأسهل، ولكن قدرة إسرائيل على العمل ضد المنشآت الإيرانية تعتمد على التنسيق اللوجستي والمعلومات الأمريكية وموافقة ضمنية على الأقل من واشنطن.
كل ذلك مشروط بعودة العلاقات إلى طبيعتها.
ومع ذلك، فإن السياسة الإجرامية في المناطق المحتلة وتقويض أسس الديمقراطية في إسرائيل – القيم المشتركة التي يقوم عليها هذا التحالف – جعلت أي تعاون كهذا مستحيلاً سياسياً لأي رئيس أمريكي، بمن فيهم ترامب الذي وجهت له انتقادات في السابق بسبب استسلامه لأهواء إسرائيل.
أما فيما يتعلق بحرية العمل العسكري، فإن أي عمل عسكري دون دعم أمريكي وإقليمي، وفي ظل عزلة سياسية، يعتبر مغامرة انتحارية وغير مسؤولة.
النتيجة، أن نتنياهو لم يفشل فقط في التأثير على الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بل ضمن أيضاً أن تأتي إسرائيل إلى الاتفاق دون امتلاك الأدوات المطلوبة للتعامل مع فشله، على الأقل يجب أن تبقى لها مخالب لتحارب بها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك