كنا، ونحن مازلنا فى طور الطفولة الفكرية الساذجة، مبهورين بما يقوله د.
مصطفى محمود عن التطور، والهجوم العنيف على داروين ونظريته، وكانت أقوى الحجج التى كانت تقنعنا آنذاك هى الحجة الشهيرة التى كنا نظن أنه قائلها، ولكننا اكتشفنا فيما بعد أنها الحجة الجاهزة التى طالما تكررت على ألسنة وفى كتابات أصحاب نظرية التصميم ومنتقدى ومنكرى التطور، الحجة التى كان يتحدى بها مصطفى محمود داروين، كانت «بتوع التطور والمؤمنين به.
عاملين زى اللى جابوا قرد ووضعوا أمامه آلة كاتبة وطلبوا منه يكتب هاملت، يدق على الآلة الكاتبة، ويقطع الورق، ويكتب تانى، لغاية الحجرة ما اتملت ورق مقطع، اتدفن القرد تحته»، اكتشفنا عندما كبرنا وقرأنا دوكنز وغيره ممن رسخوا وشرحوا التطور، بل وأضافوا إليه، لدرجة أنك معهم، تحس أن داروين وضع مجرد نقاط عامة، وأن التطور قد أضيفت إليه حقائق جعلت كتاب أصل الأنواع ليس مصدر الفهم الأول للنظرية، عندما قرأنا هؤلاء الأفذاذ، اكتشفنا المغالطة المنطقية المرعبة التى أوقعنا فيها د.
مصطفى محمود، فهذه الحجة التى تبدو مقنعة، وهى واهية، هى تضليل واضح عن مفهوم النظرية.
وتهاجم شيئًا لا تقوله نظرية التطور أصلاً، فهى تفترض أن التطور يقول إن الحياة المعقدة ظهرت دفعة واحدة بالصدفة الخالصة، كما لو أن القرد كتب مسرحية شكسبير كاملة بضربة حظ واحدة.
بينما التطور لا يقول ذلك أبدًا، التطور ببساطة يتكون من طفرات عشوائية (تولد وتفرز تنوعًا)، وانتقاء طبيعى غير عشوائى (يبقى المفيد ويزيل الضار)، مصطفى محمود ركز على الجزء الأول، ونسى أو تناسى عمدًا الجزء الثانى، أشرح لك كيف، تخيل أن القرد كتب حرفًا صحيحًا من أول مرة، فى المثال الذى يطرحه برنامج العلم والإيمان، يتم مسح الحرف وإعادة المحاولة من الصفر كل مرة، أما فى برنامج التطور.
فإذا ظهر حرف مفيد فإنه يُحتفظ به، ثم يُبنى عليه الحرف التالى وهكذا، والفرق هائل وعظيم، سأشرح لحضرتك بتبسيط أكثر، وبنفس المثال الذى قاله د.
مصطفى، لو طلبت من قرد أن يكتب الجملة: «TO BE OR NOT TO BE»، فإن احتمال كتابتها دفعة واحدة ضئيل للغاية، وشبه مستحيل، لكن لو احتفظنا بكل حرف صحيح يظهر فى مكانه، ثم واصلنا المحاولة على بقية الحروف، فإن الوصول إلى الجملة يصبح سريعًا بشكل مدهش، مع الوضع فى الاعتبار أننا نتحدث عن مئات الملايين من السنوات، يحدث فيها هذا التراكم وتلك الطفرات والتغيرات الحثيثة والبطيئة، وأن إهمال عنصر الزمن فى التطور، هو تعمد تضليل، وهذا ما أوضحه عالم الأحياء Richard Dawkins فى برنامجه، فقد أظهر أن الانتقاء التراكمى يحول مهمة شبه مستحيلة إلى عملية قابلة للحدوث خلال عدد محدود من الخطوات، إذا أردت الوصول إلى قمة جبل، فليس عليك أن تقفز من السفح إلى القمة فى خطوة واحدة، يمكنك الصعود مترًا بعد متر، كل متر ناجح يُحفظ ولا تبدأ من الصفر، وهذا هو جوهر التطور.
بل إن علماء الرياضيات أظهروا أن إضافة آلية اختيار بسيطة تغير الاحتمالات بشكل جذرى.
فالفرق بين «البحث العشوائى الكامل» و«البحث التراكمى الموجه بالانتقاء»، يشبه الفرق بين البحث عن إبرة فى مجرة كاملة وبين الصعود على سلم درجة درجة، التطور لا يشبه قردًا يكتب شكسبير دفعة واحدة، بل يشبه ملايين النسخ المتتالية من نص، يُحتفظ فى كل جيل بالكلمات التى أصبحت أفضل قليلاً من الجيل السابق، ولهذا السبب لم يرَ علماء الأحياء فى هذه الحجة هدمًا لنظرية التطور، بل مثالاً كلاسيكيًا على الخلط بين العشوائية المطلقة والانتقاء التراكمى، والحياة نفسها تثبت لنا كل يوم أنها مليئة بأمثلة تثبت ذلك، فالبكتيريا تطور مقاومة للمضادات الحيوية خطوة خطوة، والفيروسات تطور طفرات جديدة جيلاً بعد جيل، والنباتات والحيوانات المدجنة تغيرت صفاتها عبر تراكم تغييرات صغيرة عبر آلاف الأجيال.
كل هذه أمثلة يمكن ملاحظتها عمليًا، وليست مجرد حسابات نظرية، لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: «ما احتمال أن يظهر إنسان أو عين أو جناح دفعة واحدة؟ »، لأن التطور لا يدعى ولم يدعِ ذلك أصلاً، السؤال الصحيح هو: «هل يمكن لتغييرات صغيرة متراكمة، يحتفظ الانتقاء الطبيعى بالمفيد منها عبر ملايين السنين، أن تنتج هذا التعقيد؟ »، وهذا هو السؤال الذى أمضت البيولوجيا الحديثة أكثر من قرن ونصف فى اختباره، وكانت الأدلة المتراكمة من الوراثة والحفريات وعلم الأحياء الجزيئى مؤيدة بقوة لهذه الفكرة، ببساطة من لا يؤمن بنظرية داروين فى التطور، هو فى نفس مكانة من لا يؤمن بنظرية نيوتن فى الجاذبية، التطور حقيقة علمية، والجاذبية حقيقة علمية، وليس فلان أو علان هم الشهود على صحة وصواب تلك الحقيقة، ولكن الكون كله بآلياته وقواعده وكائناته وحركته هو أهم شاهد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك