في منعطف دبلوماسي هو الأكثر غموضًا وإثارة للجدل في ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، برز ملف" صندوق إعادة الإعمار الإيراني" البالغة قيمته 300 مليار دولار، ليتحول إلى محور مركزي في اتفاق سلام بات قاب قوسين أو أدنى من التوقيع في سويسرا.
وتقول مجلة فوربس إن هذا الرقم الفلكي هو تجسيد مادي لمفهوم" عقيدة الصفقات" التي ينتهجها البيت الأبيض في عهد ترامب، حيث ينظر إلى الاقتصاد كأداة ضغط لا تقل فاعلية عن الأساطيل البحرية.
وكان الكشف عن هذا الصندوق في تصريحات لافتة أدلى بها نائب الرئيس، جيه دي فانس، ووفقا لفوربس، يراه الخبراء بمثابة" خطة مارشال" إيرانية، لكن المقترح يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار وجودي؛ فهل يمكن ربط الالتزام الأمني للنظام الإيراني بتدفقات مالية ضخمة، أم أن التاريخ سيعيد إنتاج ذاته عبر تمويل نظام يمتلك طموحات تتجاوز الحدود الاقتصادية؟تضارب الأجندات: " الإنكار الرئاسي" أمام" الواقع الاستثماري"وخلف الأبواب المغلقة في واشنطن والرياض وطهران، تجري مفاوضات معقدة حول آليات" تحالف ساحل الخليج" الذي سيتولى تمويل هذا الصندوق.
وكان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس قد كشف عن جانب من أوراق اللعبة، مؤكدًا أن هذه الأموال مشروطة بوفاء طهران بالتزاماتها الأمنية، في محاولة لخلق" ارتباط عضوي" بين استقرار الاقتصاد الإيراني ووقف أنشطتها المزعزعة للاستقرار.
يمارس الرئيس ترامب استراتيجية" الإنكار التكتيكي" للضغوط السياسية المحلية، واصفًا التقارير عن هذه المدفوعات بأنها" أخبار كاذبة"، بينما تواصل ماكينات المال الدولية، من خلال تقارير بلومبرج، تأكيد أن أكثر من نصف هذا المبلغ قد تم الالتزام به بالفعل عبر كيانات استثمارية خاصة، مما يشير إلى أن" القرار الاقتصادي" قد سبق بالفعل" الإعلان السياسي".
لغز الـ 60 يومًا: هل تشتري المليارات الأمان النووي؟يبدو أن العمق المثير في هذه الصفقة يكمن في" الغموض المتعمد" الذي يحيط ببنودها.
فبينما يصر البيت الأبيض على أن الهدف هو" نزع سلاح إيران النووي للأبد"، تؤكد مصادر إيرانية، وعلى رأسها وزير الخارجية عباس عراقجي، أن الاتفاقية في صيغتها الحالية لا تتضمن أي تنازلات جديدة في الملف النووي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما الذي اشترته هذه المليارات فعليًا؟ويرى المحللون أن التوقيت هو الجوهر؛ فمع استمرار فترة الـ 60 يومًا من المفاوضات المكثفة، سيحاول الطرفان تحويل" الضغط الجيوسياسي" إلى" فرص استثمارية".
إيران هنا تلعب لعبة البقاء؛ فهي تدرك أن هذا الصندوق هو شريان الحياة الوحيد لاقتصادها المتهالك، بينما تدرك واشنطن أن المضيق الذي أثبتت إيران قدرتها على إغلاقه ليس مجرد ممر مائي، بل هو" خناق اقتصادي" لا يمكن تفاديه إلا بفتح قنوات اتصال تمويلية.
" خصخصة الصراع": عندما تصبح الملاحة رهينة للاستثمارعلى الصعيد الميداني، أثبتت التطورات الأخيرة في مضيق هرمز أن إيران لا تكتفي بكونها قوة إقليمية، بل أصبحت" مهندسًا" لأسواق الطاقة العالمية.
إن قدرتها على إيقاف تدفق النفط، واحتفاظها بترسانة من المسيرات والقوارب السريعة، جعلت منها شريكًا مفاوضًا" غير مريح" لواشنطن.
إن صفقة الـ 300 مليار دولار هي محاولة أمريكية" لخصخصة الصراع"؛ أي تحويل التهديد العسكري الإيراني إلى مصالح مالية متبادلة، حيث يصبح بقاء الممر مفتوحًا شرطًا ضروريًا لاستمرار تدفق الاستثمارات.
ولكن، وكما يحذر مراقبون، فإن هذا النهج يحمل في طياته مخاطرة بأن تصبح هذه الأموال، في حال انهيار المفاوضات، وقودًا لدورة جديدة من التصعيد، أو دعمًا لبنية عسكرية إيرانية تتطور بوتيرة تتجاوز توقعات الاستخبارات الأمريكية، وفقا لشبكة سي إن إن.
" عربون سلام" أم" فخ استراتيجي"؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك