أطلقت قيادات بجماعة الإخوان حملات إلكترونية للترويج لكتابات وأفكار سيد قطب، أحد أبرز منظري الجماعة ومرجعياتها الفكرية، في محاولة لإعادة إحياء الأفكار التي ارتبطت تاريخيًا بخطابات التكفير والعنف والصدام مع الدولة والمجتمع.
ويُعدّ وصفي أبو زيد من أبرز القيادات الإخوانية التي دافعت عن نهج العنف عقب ثورة 30 يونيو، ووفرت غطاءً شرعيًا لما عُرف داخل الجماعة بـ" اللجان النوعية المسلحة"، فمنذ تشكيل اللجنة الإدارية العليا الأولى للجماعة في فبراير 2014، جرى بالتوازي تدشين كيان حمل اسم" هيئة علماء الثورة"، ضم عددًا من شيوخ الإخوان، وكان له دور بارز في إصدار ما عُرف بـ" بيان الكنانة"، الذي تضمن عبارات تحريضية اعتبرها مراقبون من أكثر البيانات التي شجعت عناصر الجماعة على تبني العنف وحمل السلاح في مواجهة الدولة.
كما تضمن أحد البيانات الصادرة عن الكيان المسمى" هيئة علماء الثورة" عبارات أثارت جدلًا واسعًا، إذ تحدثت عن أحقية كوادر الجماعة في الرد على الأحكام القضائية" بأي وسيلة"، مدعية وجود مبررات دينية لذلك.
وفي سياق تبريره للعنف، زعم وصفي أبو زيد، أحد شيوخ الإخوان، أن السلمية ليست من الثوابت الدينية، قائلاً في أحد تصريحاته: " كثر الجدل حول الاقتران بين السلمية والاستسلام من جهة، والذين يقولون إن الثورة سلمية يذهبون مذاهب شتى متناقضة مع هذا المعنى مخافة أن يوصفوا بالاستسلام".
وأضاف أبو زيد: " لا يوجد نص شرعي ولا نظر عقلي يقرر أن السلمية ثابت من ثوابت الدين، ولا من مقررات السياسة".
وتابع قائلًا: " الحاكم في الأمر ومعياره هو المصلحة، المصلحة وحسب، فما تقرره المصلحة المشروعة فالشرع معه"، على حد قوله، مضيفًا: " مجال الثورة والعمل السياسي في ظل التحولات الكبرى التي نمر بها لا يمكن أبدًا أن نُثبت فيه إلا ما أثبته الشرع، وما ترك فيه الشرع المساحة واسعة يسعنا فيه أن نتخذ من الوسائل في كل وقت وفي كل ظرف ما يحقق المصلحة العليا"، وفق زعمه.
ويرى متابعون لشؤون الجماعات المتطرفة أن مثل هذه الطروحات تعكس استمرار بعض قيادات الإخوان في تقديم مبررات فكرية وأيديولوجية للعنف، عبر توظيف مفاهيم فضفاضة مثل" المصلحة" لتبرير ممارسات تتعارض مع الدولة الوطنية وسيادة القانون، وهو النهج الذي ارتبط تاريخيًا بأدبيات سيد قطب وما حملته من أفكار أسهمت في تغذية تيارات التطرف والعنف في المنطقة.
عملية منظمة لإعادة إنتاج الفكر القطبي داخل الأجيال الجديدةقال الدكتور طارق البشبيشي، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، إن المحاولات التي تقودها بعض قيادات جماعة الإخوان لإعادة إحياء كتابات سيد قطب عبر مجموعات ومنصات رقمية مغلقة تكشف بوضوح أن الجماعة لم تراجع أفكارها المتطرفة، ولم تتخلَّ عن المنابع الفكرية التي أنتجت العنف والتنظيمات الإرهابية على مدار عقود.
وأضاف البشبيشي أن الترويج المتجدد لكتابات سيد قطب ليس نشاطًا ثقافيًا أو فكريًا بريئًا كما تحاول الجماعة تصويره، وإنما يأتي في إطار عملية منظمة لإعادة إنتاج الفكر القطبي داخل الأجيال الجديدة من عناصر الإخوان، خاصة بعد حالة التراجع والانقسام التي تعيشها الجماعة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن قيادات مثل وصفي أبو زيد وغيرهم يسعون إلى إعادة تقديم أفكار قطب باعتبارها مرجعية حاكمة لأعضاء التنظيم، رغم أن هذه الأفكار كانت الأساس النظري الذي استندت إليه العديد من الجماعات المتطرفة التي تبنت العنف والتكفير والصدام مع الدولة الوطنية.
وأشار إلى أن أخطر ما في الأمر هو أن الجماعة لا تكتفي بإحياء كتب سيد قطب، بل تربطها بخطاب سياسي وتحريضي معاصر، وهو ما ظهر في مواقف عدد من قياداتها الذين حاولوا تبرير العنف تحت دعاوى شرعية مختلفة، واعتبروا أن ما يسمى بالسلمية ليس خيارًا ثابتًا، بما يكشف استمرار القناعة باستخدام القوة متى سنحت الظروف لذلك.
وأكد البشبيشي أن عودة الخطاب القطبي إلى الواجهة داخل دوائر الإخوان تعني أن التنظيم لا يزال أسيرًا لأفكار الحاكمية والمفاصلة مع المجتمع واحتكار الحقيقة الدينية، وهي الأفكار ذاتها التي قادت الجماعة إلى الصدام مع الدولة والمجتمع وأنتجت أجيالًا من المتطرفين.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن إعادة تدوير أفكار سيد قطب في الفضاء الإلكتروني تمثل محاولة لإحياء المشروع الأيديولوجي للجماعة بعد فشل مشروعها السياسي، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن الإخوان ما زالوا عاجزين عن إجراء مراجعات حقيقية أو الاعتراف بمسؤولية هذا الفكر في نشر التطرف والعنف داخل المنطقة العربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك