تنظر القيادة الإيرانية إلى الحرب العراقية الإيرانية، باعتبارها نقطة تحوّل في التاريخ السياسي والعسكري للجمهورية الإسلامية.
فالحرب لم تنتهِ بانتصار عسكري حاسم لإيران، لكنها أيضاً لم تنتهِ بهزيمتها؛ إذ خرجت منها محافظة على وحدة أراضيها ونظامها السياسي، وهو ما رسّخ لاحقاً مبدأً استراتيجياً أساسه ألّا تخسر إيران أيّ حرب مُستقبلاً.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من العقيدة الاستراتيجية الإيرانية بعد ثورة عام 1979.
فمفهوم" عدم الهزيمة" لا يعني بالضرورة تحقيق نصر عسكري كامل، بل يعني قبل كلّ شيء الحفاظ على الدولة والنظام السياسي، مهما بلغت الخسائر البشرية أو الاقتصادية أو العسكرية.
ويفسّر هذا المنطق جانباً من الثقة التي تبديها طهران في مواجهة الأزمات المُتلاحقة.
فطالما بقي النظام قائماً، فإنّ القيادة الإيرانية ترى أنّها لم تُهزم، حتى وإن تكبّدت خسائر كبيرة في ساحات القتال أو تراجع نفوذها الإقليمي.
طالما بقي النظام، ترى القيادة الإيرانية أنّها لم تُهزم، حتى وإن تكبّدت خسائر كبيرة في ساحات القتال أو تراجع نفوذها الإقليميوبالنظر إلى التطوّرات التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تبدو إيران وقد تلقت ضربات مؤلمة داخل شبكة حلفائها الإقليميين.
ففي لبنان، خسر حزب الله عدداً من أبرز قادته، وامتدّ الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء إضافية من الأراضي اللبنانية.
وفي سورية، سقط النظام الذي مثّل لسنوات الحلقة الأهم في محور النفوذ الإيراني، بوصفه يمتلك ساحة مواجهة مباشرة مع الاحتلال، وأيضاً بكون سورية هي الممرّ الاستراتيجي لإمداد الحلفاء في لبنان.
أمّا في العراق، فقد تعرّضت فصائل مُسلّحة مُقرّبة من إيران لضربات مُتكرّرة أضعفت جزءاً من قدراتها، فيما شهد اليمن عمليات استهدفت قيادات في الحكومة التابعة لجماعة الحوثيين، من دون أن تؤدي إلى إنهاء نفوذ الجماعة.
ورغم هذه الخسائر والضربات المؤلمة التي تعرّضت لها إيران خلال العدوان الإسرائيلي الأميركي بقي النظام الإيراني قائماً، ولم يتحقّق الهدف الذي سعت إليه إسرائيل، والمُتمثّل في دفع إيران نحو الانهيار الداخلي أو تحويلها إلى دولة فاشلة على غرار ما شهدته سورية خلال سنوات الحرب التي سبقت إسقاط النظام.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إنّ إيران خرجت من هذه المرحلة أضعف ممّا كانت عليه، لكنها لم تُهزم وفقاً لمعيارها الاستراتيجي.
يحتاج الشرق الأوسط اليوم إلى مقاربة سياسية تعالج جذور الأزمات، لا إلى إدارة دائمة للحروبغير أنّ هذا يُثير سؤالاً مهماً: هل يكفي عدم الهزيمة ليُعدّ نصراً؟ فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على البقاء، بل أيضاً بقدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وتحسين أوضاعها الاقتصادية، وتعزيز أمنها واستقرارها.
ومن ثم، فإنّ مجرّد الحفاظ على النظام السياسي لا يعني بالضرورة تحقيق النصر.
يحتاج الشرق الأوسط اليوم إلى مقاربة سياسية تعالج جذور الأزمات، لا إلى إدارة دائمة للحروب.
وإلى أن يتحقّق ذلك، ستظلّ المنطقة تدور في حلقة مُفرغة من التصعيد والهدن المؤقتة، من دون أن يلوح في الأفق سلام دائم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك