عقب أشهر من التصعيد العسكري والحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على مضيق هرمز، أعلنت كل من «واشنطن وطهران» عن مذكرة تفاهم تتضمن وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار لمدة ستين يوماً، وإعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة التجارية، إضافة إلى تخفيف القيود المفروضة على بعض الموانئ الإيرانية.
ويُنتظر أن يُوقع الاتفاق رسمياً في جنيف غداً، حيث يشير إلى إمكانية فتح مسار تفاوضي أوسع قد يشمل ملفات نووية واقتصادية وأمنية أكثر تعقيداً.
ورغم الطابع الهادئ الذي تبدو عليه بنود التفاهم، فإن التفاصيل تكشف عن تناقضات واضحة بين الجانبين؛ إذ تؤكد «واشنطن» ضرورة ضمان ممر ملاحي «حر وآمن» يتيح انسيابية التجارة الدولية، بينما تشدد «طهران» على إدارة مشتركة للممر بالتعاون مع سلطنة عمان، مع فرض رسوم خدمات تنظيمية على حركة السفن.
هذا التباين يعكس أن ما يجري ليس تسوية نهائية، بل إعادة صياغة لمعادلة النفوذ داخل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المضيقويؤكد الخبراء أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المضيق خلال المرحلة المقبلة: الأول: نجاح التفاهمات السياسية، بما يؤدي إلى تهدئة نسبية، وانخفاض مستويات التوتر في حركة الملاحة، مع تحسن تدريجي في أسواق الطاقة، والثاني: استمرار حالة «اللاحرب واللاسلم»، حيث تبقى التفاهمات محدودة وغير قادرة على معالجة جذور الخلاف، ما يجعل المضيق عرضة لتوترات متقطعة دون الوصول إلى انفجار شامل، والثالث: فشل المفاوضات أو انهيار أي اتفاق محتمل، وهو ما قد يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد مجدداً، مع تداعيات مباشرة على حركة التجارة العالمية وأسواق النفط، وربما على الاستقرار الإقليمي الأوسع.
رؤى الخبراء حول التهدئة والخطاب السياسيويرى عمرو أحمد، الباحث في الشؤون الإيرانية، أن مستقبل مضيق هرمز يرتبط ارتباطاً مباشراً بطبيعة الاتفاقات السياسية الجارية بين إيران والولايات المتحدة، موضحاً أن أي تهدئة مؤقتة قد تنعكس بشكل فوري على استقرار حركة الملاحة وخفض مستويات التوتر في المنطقة، لكنها لا تعني بالضرورة نهاية الصراع أو اختفاء جذوره.
وأضاف لـ«الوطن»: «إيران لطالما استخدمت المضيق كورقة استراتيجية في مواجهة الضغوط الغربية والعقوبات الاقتصادية، وهو ما يجعل أي اتفاق محتمل عرضة للاختبار المستمر، فاستمرار التهدئة يعتمد ليس فقط على بنود الاتفاق، بل على مدى التزام الأطراف بتقليل التصعيد السياسي والعسكري، أو العودة مجدداً إلى سياسة الضغط المتبادل التي طبعت العلاقة بين الطرفين لسنوات طويلة».
ويشير الدكتور أحمد لاشين، أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس، إلى أن فهم الخطاب السياسي الإيراني يمثل عنصراً أساسياً في قراءة اتجاهات طهران تجاه أي اتفاق محتمل، موضحاً أن طبيعة اللغة السياسية الإيرانية غالباً ما تقوم على تعدد المعاني واستخدام عبارات مرنة تسمح بهوامش واسعة من التأويل والمناورة الدبلوماسية.
وأكد أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين عادة ما تجمع بين نبرة إيجابية حذرة ورسائل تحذيرية في الوقت نفسه، وهو ما يعكس حالة من الترقب وعدم الحسم داخل القرار السياسي؛ فالاتفاقات في هذا السياق قد تُقدَّم خارجياً باعتبارها خطوات تهدئة، بينما تُدار داخلياً كملفات معقدة ترتبط بحسابات أمنية واستراتيجية أوسع تشمل النفوذ الإقليمي والقدرة على التأثير في الممرات البحرية الحيوية.
الانعكاسات على أسواق الطاقة العالميةأما على المستوى الاقتصادي، فيوضح الدكتور محمد الطماوي، الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، أن أي تفاهم بين إيران والولايات المتحدة ستكون له انعكاسات مباشرة وسريعة على أسواق الطاقة العالمية، نظراً لاعتماد جزء كبير من تجارة النفط والغاز على المرور عبر مضيق هرمز.
وأشار «الطماوي» إلى أن أسواق الطاقة تتعامل بحساسية شديدة مع أي تطورات سياسية في هذه المنطقة، حيث يؤدي أي تصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله، ونوّه بأن أي هدنة، حتى وإن كانت مؤقتة، تسهم في تهدئة الأسواق وخفض حالة عدم اليقين.
ولفت إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاق ذاته، بل في إمكانية تنفيذه، والقدرة على استمراره وسط ملفات شائكة مثل العقوبات الاقتصادية، والنفوذ الإقليمي، والتوازنات الداخلية في كل من واشنطن وطهران، مضيفاً أن الاقتصاد الإيراني قد يكون دافعاً أساسياً نحو التهدئة، لكنه يظل محاصراً باعتبارات سياسية وأمنية معقدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك