أخرج كل صباح على عجل، أغلق الباب بالمفتاح الذي أحمله منذ سنوات، من دون أن أتذكر متى صُنع، وأنزل الدرج الحجري الذي يئن عند الخطوة الثالثة.
الشارع رطب بعد ليل بارد، والبلاط يعكس سماء شاحبة.
أمشي في الطريق بخطى متتابعة، والجسد يسبقني بخفة يعرف المسار قبل أن ألتفت إليه، فيسير كأنه اعتاد هذا العبور منذ زمن طويل، فأترك له القيادة وأتبعه بصمت.
عند منتصف الرصيف يتوقف رجل على الجهة المقابلة لساحة مولاي المهدي، يرفع رأسه، يراني، ويتحول وجهه دفعة واحدة.
يعبر الشارع مسرعا، وسيارة بيضاء تكبح فجأة، وهو يلوح لها باعتذار لا يعيره انتباها.
تستقر يداه على كتفي ثقيلتين ودافئتين.
يتحدث.
يذكر «الغرسة» التي ضاع أثرها، وعن سر اختفاء الكنيسة، والمعمار الإسباني في حي باب الواد، وبنات الحي اللواتي هاجرن مبكرا إلى إيطاليا، وابنة الإسكافي التي صارت أستاذة بارزة في ألمانيا.
الأسماء تخرج من فمه كأنها كانت محبوسة.
أومئ.
وفي مكان ما خلف الإيماء أفكر: هذا الرجل يحمل نسخة مني لا أملكها.
يحملها بعناية، يصونها، يخرجها الآن في الشارع كأنه يعيدها إلى صاحبها.
لكن صاحبها لا يعرف كيف يمد يده.
يتوقف، ينظر إلي، يسأل بصوت أخفض: هل أنت بخير؟ أقول نعم.
كلمة نعم تخرج وحدها، مدربة، وأنا أسمعها من بعيد كأن شخصا آخر قالها.
يمسك كتفي مرة أخرى، يهزه هزة خفيفة، ثم يتركني ويعبر الشارع.
أنظر إلى ظهره حتى يختفي.
أفكر أن الناس يحملون أثقالا لا يعرف أصحابها أنهم تركوها، من دون سبب أو أمل في استرجاعها.
وقبل أن أتابع طريقي يقترب مني رجل قصير القامة يرتدي سترة رثة عند الأكمام.
يقف أمامي ويسأل بنبرة فيها شيء يشبه العتاب الهادئ: لماذا كنت تقف كل صباح في رأس الشارع تمنعنا من الولوج إلى طريق النهر؟ أنظر إليه.
أفتش في داخلي عن شارع الأندلسية، عن وادي اللوكوس، عن صباحات وقفت فيها في مكان ما لسبب ما.
لا شيء.
وما يثير دهشتي أن الغياب لا يؤلم.
كأن تلك الصباحات كانت لجسد آخر يحمل اسمي، وذهب، وترك لي الاسم فقط.
أقول: لا أتذكر… يحدق بي لحظة، ثم يمضي.
أفهم أن سؤاله لم يكن يريد جوابا، كان فقط يريد أن يضع الثقل أمام صاحبه ويمشي خفيفا.
في مقهى تراكم دخان على جدرانه منذ عقود، يرفع رجل يده وينادي باسمي.
أجلس، يطلب من النادل جلال، كوبا من دون أن يسألني، كمن يحفظ الجواب من زمن بعيد.
يتحدث عن أسماء شاركت في حرب التحرير، والمسيرة الخضراء، وعن السمك الذي كان يأتي به النهر قبل بناء السد، يتحدث عن مقهى السعادة وروادها، ثم يتوقف لحظة ويتحدث عن الكلب «أليكس» الرمادي الذي كان لا يفارقني.
أضع كوب النسكافيه على الطاولة، «أليكس» الاسم موجود لكن ما وراءه فارغ.
لا نباح في ممر، لا ثقل حي ينام عند القدمين.
لو كنت أتذكر لكان الوجع هنا الآن على هذه الطاولة.
لكن النسيان أخذ الوجع معه، حين أخذ كل شيء.
وما تبقى هو شيء لم أجد له اسما، ليس فرحا وليس حزنا، شيء خفيف وبارد كالهواء حين يدخل من نافذة مفتوحة في غرفة ظننتها مغلقة.
الرجل أمامي ينظر إلي وهو ينتظر أن يرى شيئا.
لا أعرف ماذا يرى.
في طريق العودة أمر بحديقة مهملة، حديقة بلا عشب، بلا ماء، مجرد ممر طويل مائل.
تحت شجرة مقهى «الواحة» يجلس رجل لا أعرفه.
لم يسبق أن تشاجرنا على رأي، ولم يحمل عني ذكرى واحدة.
نجلس في المقهى وبيننا صمت لا يطلب شيئا.
وأنا أفكر في أن العلاقات التي تبدأ من الصفر هي الوحيدة التي لا تحمل في طياتها نسخة منك.
المساء يجلس معنا، وجوه تمر وتتبادل ابتسامات.
أنظر إليها وأنا لا أعرف لأي منها قصة، ولا أحمل تجاه أي منها ضغينة، وأفكر، ربما هو الشكل الذي تبدو عليه الحرية حين تأتي من الجهة التي لا تتوقعها.
أعود إلى بيت والدتي.
أضع الحذاء جانبا وأستلقي بملابسي.
في السقف شقوق قديمة تذهب إلى حيث تشاء.
أتبعها بعيني، الغرفة ساكنة وأنا ساكن فيها، وبيننا نوع من التفاهم لا يحتاج كلاما.
أفكر في الرجل القصير وسؤاله.
حقا من كان يقف كل صباح في رأس شارع الأندلسية؟ ربما كان ينتظر شيئاً، ربما لم يكن يتذكر أمرا، وبقي يقف بالعادة لأن الجسد لا يعرف كيف يتوقف عما اعتاد عليه حتى بعد أن ينسى السبب، ربما ذلك الرجل لا يزال هناك كل صباح، ينتظر شيئا أنا لا أتذكره، وسيظل ينتظر لأنه لا أحد أخبره أن ينتهي.
أغلق الباب.
المفتاح يدور من تلقاء نفسه، كأن يدي تذكرت ما نسيته أنا.
أنزل الدرج الحجري.
الخطوة الأولى: صمت.
الثانية: صمت.
الثالثة: تئن.
صوت منعزل كأن الحجر يحاول أن يقول شيئا.
أتوقف.
لا شيء.
أواصل.
في الشارع، العالم يُعرض عليّ للمرة الأولى.
لا، للمرة الألف.
كل شيء جديد وقديم في آن.
الشجرة التي مررت بها أمس تبدو اليوم كأنها زرعت للتو.
الرجل الجالس على الرصيف ينظر إلي كأنه يراني لأول مرة، وأنا أنظر إليه كأني لم أره قط.
أمشي وحيدا.
أحاول التقاط شيء، أي شيء.
يد امرأة.
ضوء من نافذة بعيدة.
لكن كل ما ألمسه يتحول إلى غبار.
ألوان تتداخل، ذكريات لا تعرف كيف تكتمل.
أتوقف فجأة.
لا أعرف لماذا.
لا أعرف أين أنا.
أنظر إلى يدي، إلى قدمي.
ما زالتا هناك.
لكني لست هناك.
أستشعر حيرة عميقة، مثل حيرة من فقد نفسه داخل نفسه، ولم يعد يعرف الطريق إلى الخارج أمضي، والشارع يمضي بي، كل شيء يعرض عليّ لأول مرة، الشجرة، الرجل الجالس على الرصيف، الغيمة التي لا تتحرك، أنظر إليها كأني لم أرها قط، كأن حياتي أصبحت مشهدا واحدا لا يتوقف.
لا بداية، ولا وسط.
مجرد عرض لا ينتهي، وأنا الجالس في الصف الأمامي، لا أتذكر كيف بدأ، ولا أحد يخبرني متى سينتهي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك