لم يكن من هؤلاء، ممن ساروا على نهج آبائهم، بل إنه لو سار على نهج العائلة لكان موقعه مغايرا تماما، إذ أن عائلته تنتمي تنظيميا وفكريا للحزب الوطني المهيمن كليا على الحياة السياسية في مصر قبل 2011، والحقيقة أيضاً أنه لم يكن من أصحاب الانتماء، لا السياسي ولا التنظيمي، وأنه لولا الاعتكاف عام 2002 لما سار إلى ما سار إليه، صحيح أن الاعتكاف طقس ديني، لكنه انجذب للإخوان من باب الحياة، فالبرنامج الذي يضعونه للاعتكاف وأنشطته الرياضية والترفيهية والعلاقات التي تستمر وتمتد لما بعد رمضان، كان الطعم الذي انجذب به وانتقل بسببه من الجانب الآمن في النهر، إلى الضوء الزائف الخارج من عتبة المسجد.
يجيد الإخوان صناعة الاهتمام، يجيدون حصار ضحاياهم بالمبالغة في إبداء الاهتمام تارة والدخول في كل التفاصيل الشخصية والعادية أخرى، والتبرع طوال الوقت بحل الأزمات والمساعدة في كل العقبات، تتسلل بهذا لتحل محل الأسرة الحقيقية والأصدقاء، وتصبح العالم المغلق والموازي.
ما الذي يغري شاباً أنهى دراسته الجامعية للتو نشأ وسط أسرة متعلمة وفي قرية ليست نائية بالانضمام للجماعة قبل أن تظهر وجه التنظيم؟
سأل أحمد حميدة، العائد من صفوف التنظيم، الخارج من قبور الإخوان، نفسه هذا السؤال، سأله بعد النجاة من باب لوم النفس.
الإجابة كانت سهلة عليه من فرط ما عرفهم واقترب منهم، إذ إنهم خبراء في صناعة الأهداف الزائفة للشباب، وأساتذة في صناعة المسميات والمفاهيم الكبيرة، والخديعة تحت عنوان عريض يستخدم بمعانٍ مختلفة «العودة إلى الإسلام الصحيح».
كان الشك يسبق اليقين إليه، كلما انتبه لفعل وشعر أنه من بنات أفكار الإخوان أو مؤسسهم «البنا»، سأل زملاءه في الجماعة: «هو انتوا إخوان؟ »، كان النفي يأتيه قاطعاً، يعلمون أن عملهم تحت لواء الإخوان من البداية سيضعف موقفهم ويبعد الناس عنهم، فكانوا يدعون عكس هذا حتى يكتشف العضو المفاجأة بعد الانخراط بسنوات، بعد أن تكون الجماعة هى عائلته ومجتمعها هو مجتمعه وأفكارها هى أفكاره ومبادئه ورسالته.
بحسب «حميدة»، الذي ساعدته الظروف ليكون عضواً مؤثراً بينهم، فهو المدرس بالتعليم الفني والقادر على تكوين مجموعات من المراهقين في هذه السن وجذبهم مبكراً لفكر الجماعة، ليجد نفسه فجأة ترقّى في ترتيب العضوية، وأصبح مسؤول نشاط، وهى في عرف من هو في سنه داخل الجماعة «رتبة قيادية»، وكان هذا أول الوهم الذي صدّقه وأحبّه، فالشاب الذي لم تزد سنه على 22 عاماً أصبح مسؤولاً عن شباب أصغر في سن المراهقة، مجموعات من 15-20 شاباً، يتحمل مسؤوليتهم كاملة، ويكلف بمهام تأتيه بصياغة تزيد من حماسه، يتذكر «حميدة» الجملة «البنج» التي قيلت له «يوم القيامة هتتسئل عن الولاد دول.
عن إسلامهم وأفكارهم وإيمانهم»، كان يسمع هذا الحديث فيزيد حماسه ويسرح بخياله في التكليف والمكانة التي سيصل إليها، والعمل العظيم الذي سيتوقف عنده التاريخ.
لم يفكر «حميدة» وقتها كثيراً في هويتهم، حتى بعد أن تيقن أنهم إخوان، وما الذي يضير، فلم يكونوا منبوذين مثلما حالهم الآن، ولا الانتماء لهم مجرماً مثل الآن، وهو السبب نفسه في رضوخ أسرته وصمتهم على انتمائه، ظل على وضعه معهم 15 عاماً كاملة، من 2002 وحتى 2014 عام دخوله السجن.
قدم «حميدة» للإخوان خلال هذه السنوات خدمات جليلة، بحجم الطلبة والأشبال الذين استطاع ضمهم للجماعة، لم يحاول «حميدة» حصرهم في يوم من الأيام من فرط كثرتهم وخاصة بين طلبة الثانوي مستغلاً اختلاطه بهم في المدارس، لكنه يتذكر أن المتوسط لم يكن يقل في العام عن 60 طالباً في التيرم الواحد، يمرون بكل مراحل التطور داخل التنظيم، بداية من الانتساب، ثم البيعة.
يضحك كثيراً وهو يتذكر الاختبار المرتبط بالبيعة، الذي يسمى «الاستدعاء»، والذي يكشف قابلية العضو للتنفيذ حتى دون فهم، والطاعة العمياء حتى لو فيها إيذاء للنفس، متخذين مبدأ سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل في شعيرة الأضحية، إذ يتلقى العضو اتصالاً من قيادته بأمر محدد «تعالى فوراً»، يذهب العضو فيطلب من قيادته طلباً محدداً «اكتب وصيتك وضعها تحت مخدة أو في مكان معين.
والصبح تجيلي المكان الفلاني»، وحسب رد فعل العضو تترتب البيعة، إذا نفذ أو خاف أو رفض أو سأل.
يضحك لأن الآلية تمت معه وصدقها، وفعلها مع غيره وصدقوه، وفي النهاية وحين الوصول إلى المكان الذي تحدده القيادة يجد من ينتظره برسالة «شكراً إنك استجبت.
اتفضل روح» وفي اليوم التالي تتم البيعة مع المفوض من مكتب المرشد في حضور عدد من الأعضاء والقيادات، يتراصون في مشهد معين متشابكي الأيدي، ومفوض المرشد يتلو عليه القسم «أقسم بالله العظيم أن أنفذ قرارات مكتب الإرشاد في المنشط والمكره والعسر واليسر وإن خالفت رأيي، وأن أظل في طريق الإخوان، والله على ما أقول شهيد»، ثم يهديه مصحفا وكأنه رباط مقدس.
فالكل يؤهل نفسه للشهادة وأنه في حرب من أجل الإسلام، ويعلم الله ونعلم نحن فيما بعد أن الإسلام بريء من كل هذا.
جندت زوجتي وتلاميذ المدارس التي عملت بهايتذكر «حميدة» أيضاً أنه في فترة مراجعة النفس والرجوع من قبور الإخوان وبينما كان في محبسه، دوّن على «فيس بوك» منشوراً يحمل ما هو أكثر من الندم على كل الشباب الذين دخلوا قبور الجماعة بسببه، وعلى يديه، كتب حينها «لو عاد بي الزمان سأكون حاجزاً منيعاً بين الإخوان وبين هؤلاء الشباب الذين تسببت في ضياعهم»، يتذكر أنه قدم الاعتذار لكثير منهم ممن قابلهم في السجن، وحالت الظروف بينه وبين الوصول لهم جميعاً، خاصة من ظل على قناعاته منهم.
واجه حميدة رفضا قاسياً منهم واتهامات بالجملة من الجماعة بأنه ارتمى في أحضان النظام، كيف هذا وقد قضى في السجن 10 سنوات كاملة، دخله في 2014 وخرج في 2024، الاتهام كان يصرف أبناءه من شباب التنظيم عنه، والسجن كان فرصته في الانتقال بعقلانية شديدة من مربع الموت إلى استنشاق الهواء من جديد، بحيث صار شخصين في جسد واحد، «حميدة» 2024 ينظر إلى «حميدة» 2002 وما بعدها ثم يسأل نفسه: من هذا؟ لماذا ضيعت عمرك في فكر معطوب، لماذا بذلت هذا الجهد لتتاجر بالدين وبآلام الناس ومصائبهم، حتى تصل إلى السلطة؟
لم يكن الاستشهاد بسيرة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، والإسقاط على الإخوان ببعيد عن الجماعة، مارسته بجرأة منقطعة النظير، بخلاف التماهى والخلط ما بين التنظيم والدين، وما بين شخص النبى، عليه الصلاة والسلام، والصحابة وأفراد التنظيم، وما بين المراحل التي مر بها الإسلام والمراحل التي مرت بها دعوة الإخوان، حتى العوائق التي حددوها في «عائق الزوجة» و«عائق الأولاد» و«عائق العمل الحياتى» و«عائق المال» و«عائق الأهل» و«عائق الأصحاب» أصبحت جزءاً من تحديات لا بد على الإخواني أن يتخطاها كي يصل لهدفه.
يتذكر «حميدة» الغزوات التي كان يخوضها مع الإخوان، بقناعات واهية، داخل حدود قريته البسيطة، يصف إحداها باعتبارها «غزوة اليافطة» في 2010، حين رفض أحد الخفراء تعليق لافتة لمرشح إخوانى، وحين حاول إسقاط اللافتة الدعائية، استشرس الإخوان في الدفاع عنها، باعتبارها «راية» ولا يجب أن تسقط للإخوان راية، يضحك وهو يروى الإجراء الذي اتخذوه «اجتمعنا وشكلنا لجنة وعملنا حراسة على اليافطة وورديات على مدار اليوم».
يعلم «حميدة» أن اليافطة في حد ذاتها ليست الهدف، لكن ما ترمز إليه بالنسبة لمجتمع الإخوان ولقدرة أفراده على فرض منطقهم، وأيضاً قياس السمع والطاعة لدى الأفراد، فمن يرضخ لحراسة لافتة قماش دون اعتراض أو إبداء وجهة نظر، تحقق لديه ركن السمع والطاعة وهو أحد الأركان الخمسة لدى الجماعة، ففعل المناقشة لديهم لم يكن في القرارات نفسها، لكن في آلية تنفيذها لمزيد من الشرح، والنموذج المثالى بالنسبة لهم كان القيادى الإخوانى محمد البلتاجى الذي عارض فكرة ترشح أحد قيادات الإخوان للرئاسة، لكن مع صدور القرار الإخوانى كان البلتاجى أول المباركين واضعاً «رأيه تحت حذائه» بحسب معتقدهم.
سار كل شيء طبيعياً، الإخوان يواجهون المصريين في الشوارع ويريقون الدماء وحميدة ورفاقه لا يبالون، يعتبرونها نصرة للتنظيم، لم يكن يرى سوى ما يمليه عليه قاداته، ولا يمانع في أن يفقد حياته فداءهم، بل إنه اعتبر وقت اعتصام رابعة أن مغادرة التنظيم عمل غير أخلاقى، وخاض في سبيل هذا مواجهات كثيرة مع والديه، اللذين اعترضا طريقه يوم فض اعتصام رابعة وهو يحاول الخروج من المنزل، بل إنه كان يودع أسرته وزوجته في كل مرة «لو مرجعتش اعتبرونى شهيد».
يقولها وهو يضحك على ما يصفه بأنه «أيام الخديعة الكبرى».
لم يعد حميدة بالفعل يوم فض اعتصام رابعة، ليس لأنه شهيد، لكن لأنه نفذ أوامر قيادات التنظيم، فقد صدر التكليف مباشرة بأن جميع الأفراد ينطلقون تجاه رابعة، حاول حميدة ورفاقه التحرك والوصول من الفيوم لكن كل الطرق كانت مغلقة في وجوههم، فصدر لهم الأمر مباشراً «روحوا احرقوا كمين اللاهون»، ولأن التكليفات والأوامر للتنفيذ فحسب، ولأن النقاش كمبدأ ليس موجوداً، ولأن الإخوان في حرب مع تحرك حميدة كروبوت في اتجاه التنفيذ، ليتم ضبطه والحكم عليه بـ10 سنوات سجن، من 2014 -2024.
كمن ولد من جديد، هكذا كانت سنوات السجن بالنسبة لحميدة، دخل وهو على دين الإخوان، وخرج منه وهو كاره لكل لحظة انتمى فيها لهذا التنظيم، نادماً على عمره الذي ضاع وعلى الضلال الذي عاش فيه، جاءته الإفاقة بعد عامين في مدته داخل السجن، في عام 2016 كان اعتاد حياة السجن، واستغله في إعادة قراءة المشهد من زاوية أخرى، ليكتشف علات ما كان عليه، سأل نفسه كل الأسئلة الممكنة والغريبة، وحاول الإجابة عنها جميعاً، وفي كل إجابة كان جزء من عقله ينير، وجزء من قلبه يتألم بالندم «كيف صدقت هؤلاء، وكيف انغرست معهم؟ ».
ومع إعلانه «هذا فراق بيني وبينكم» بدأت مرحلة المواجهات والصدام والتهديدات داخل السجن، مرحلة استمرت 8 سنوات كاملة، لم يثنه ما لاقاه منهم عن قراره، بل زاده تصميماً وتمسكاً به، وساعدته مشاركة اثنين من رفاقه في الإخوان القرار، كانوا ثلاثة هو والشقيقان عمرو وعماد عبدالحافظ، وساعدهم على القرار بداية ظهور الانقسام بين جبهة محمد كمال وجبهة محمود عزت، فكان محفزاً للبحث عن «لماذا نحن إخوان؟ »، ومن هو «حسن البنا الذي نسلم لمبادئه بالسمع والطاعة وهو ليس نبياً ولا منزلاً؟ ».
كان لكتاب «أزمة التنظيمات الإسلامية» للدكتور جاسم سلطان فضل كبير في لحظة التنوير التي أصابت حميدة ورفيقيه، قادهم الكتاب لعشرات من الكتب والقراءات كلها تصحح ضلالاً أصابهم وأعمى أعينهم تحت لواء الإخوان، لم يهتم حميدة كثيراً بتحليل أسباب سقوط الإخوان، لكنه لخصها في الاستعجال، إذ قفزوا من مرحلة المجتمع التي بدأت في 2002 وحققوا فيها نجاحاً، إلى مرحلة الحكومة والحكم والتي لم يتأهلوا لها وقتها، متجاوزين مرحلة وسطى سماها البنا «تحرير الأوطان من كل سلطان»، فهذا القفز دون تأهيل أو استعداد هو الذي أدى إلى حرقهم مبكراً في المجتمع أولاً.
أصدر حميدة ورفيقاه البيان الذي يحمل موقفهم في يوليو 2017، كان عنوانه «بيان من السجناء السياسيين المستقلين»، أنهوا فيه علاقتهم بالإخوان، وعبروا عن رؤيتهم للتنظيم، بأنه ليس الحل كما يدعى أعضاؤه، بل أساس المشكلة.
أحدث بيانهم صدمة وارتباكاً بين القوى السياسية وقتها، فمن هم أعضاء هذه الحركة وكيف سيواجهون الحرب المعلنة من قبل الإخوان، وتنوعت مظاهر الحرب بين تهديدات بالتصفية، محاولات للإيذاء والاعتداء، وهو ما تمت مجابهته رسمياً بإبلاغ إدارة السجن.
الخلاصة لم يكن الخروج سهلاً، كان أشبه بخروج الروح من الجسد، شبهه حميدة بـشخص يخرج من وسط قطيع، إذا نجا بنفسه لن ينجو من الأذى والإصابات، كونه يسير عكس تيار من البشر، صحيح أنهم حاولوا احتواءه ورده عن مساره، لكن ومع إصراره وفشلهم، انتقلوا للمستوى الثانى وهو التشويه والقتل المعنوى، بتصدير فكرة الخيانة والعمالة والمداهنة وبيع القضية عنه ورفيقيه، لدرجة أنهم أطلقوا عليهم اسم «مسجد ضرار» أى المسجد الواجب هدمه.
ولولا دعم أسرته ومجابهتها محاولات النيل منه لكان الوضع مختلفاً تماماً.
عامان قضاهما حميدة خارج السجن، لا هم له سوى محاولة تعرية التنظيم، سواء بشكله الجديد في الخارج أو المتبقى منه في مصر، لتوضيح خطرهم على الدولة والدين، بخلاف محاولاته مع من جندهم في صفوف الإخوان، لإنقاذهم من براثن التنظيم الذي كان جزءاً منه، يحاول أن يقدم الدليل على أنه أصبح إنساناً جديداً، يعوض كل ما فاته وهو في ظلمة قبور الإخوان، يعيش الحياة الطبيعية لا يفكر في التصرف قبل اتخاذه، لا يضع في حسبانه سيفيد التنظيم أم يضره، يفكر في مصلحته كإنسان وحدوده التي لا مساس بها «الدين والدولة»، يتوسع في علاقاته ويعيد تشكيلها بما يناسب الإنسان الجديد الذي ولد داخله خلال 9 سنوات، منذ إعلان خروجه من التنظيم وحتى خروجه من السجن وعودته تدريجياً للحياة، يكفي أن رأيه أصبح من «دماغه» وأن قراره أصبح قراره، لا يعود فيه لأحد ولا ينتظر التكليف من أحد، يسمع ويناقش ويرفض ويوافق، حر نفسه بحسب وصفه، وليس عبداً ولا فرداً في قطيع ليس عليه سوى «التكبير والتهليل».
ما سار على حميدة سار أيضاً على زوجته، كانت أول من ضمها للتنظيم، رغم تحفظها ورفضها المبدأ، لكنه وباعترافه استخدم كل سبل الضغط العاطفي والابتزاز معها، ليتحول الرفض إلى إقبال، وتحصل على البيعة ويصبح لها دور مهم في تجنيد الأخوات والاعتماد عليها في الانتخابات، وخاصة إدارة الدعاية وحملات طرق الأبواب التي كانت تتولاها.
ورغم هذا الإقبال، فإنه ومع إعلانه التبرؤ من هذا الفكر، لم تتوان ولو لحظة عن اللحاق به بالقوة نفسها التي التحقت بها.
حال الأبناء يختلف كلياً عن حال الزوجة، قد يجند العضو زوجته، لكن أبناءه هم إخوان دوناً عن إرادتهم، فهو انتماء يشبه الديانة، ولا يترك الإخوانى الحق ابنه لأى تيار آخر، سواء سلفية أو صوفية أو غيرهما، بحسب حميدة الذي كانت محنة السجن له فرصة لأبنائه الذين قرروا السير على خطاه واختيار طريقهم بالهروب من طريق الإخوان والتخلص من عبء التنظيم والانتماء له.
الإخوان يطبقون الآن «الانتشار الصامت» ويحاولون التسلل للمصريين من بوابة «التنفيس» في مواجهة الضغوط الاقتصاديةلم يندم حميدة على سنوات العنف وما أبداه الإخوان سواء في أحداث يناير - يراها أحداثاً وليست ثورة رغم مشاركته فيها- أو ما بعدها، فالعنف موجود في أدبيات التنظيم، لكن الآن يرى الصورة من منظور أكثر وعياً، وأنهم لجأوا إليه بعد نفاد رصيدهم في الشارع، ويكشف حميدة أن قرار المواجهة مع المصريين تم اتخاذه قبل 30 يونيو وقبل اعتصام رابعة بفترة كبيرة، قائلاً: «صدر لنا التكليف منتصف يونيو تقريباً اللى يقدر يشترى سلاح يشترى.
وقد كان» لمواجهة المظاهرات التي قد تندلع ضد الإخوان، بحسب التقارير السرية للتنظيم، يبرر حميدة الانصياع لهذه الأوامر بأنه جزء من السمع والطاعة، وجزء من مفسدة درأ الأذى التي روجها الإخوان وحماية المقرات وغيرها.
لا ينكر حميدة ما تحصل عليه من مكاسب مع الإخوان، المالية تحديداً، هى جزء من استراتيجية التنظيم الحفاظ على أفراده وتأمين احتياجاتهم وألا ينجذبوا لغيره من الجماعات والتنظيمات، سواء من خلال الإعانات الشهرية التي تصل لكل بيوت الإخوان، وتزيد حسب درجته من عضو لقيادى، وتزيد أكثر وأكثر إذا كان هذا العضو مسجوناً أو مطلوباً.
لكن الآن مكاسبه أكبر، يرى أنه كسب نفسه حين استردها من براثن التنظيم، كان فاقداً للأهلية وعادت إليه مجدداً بإعلانه تركهم، حرر عقله وامتلك إرادته، يفرز كل ما حوله من أزمات، هذه طبيعية وهذه من صنع الإخوان، يؤكد على وجودهم حول المصريين في كل مكان، واستمرار منهجهم حتى لو خفت صوتهم وعادوا إلى العمل السرى مجدداً.
يشم حميدة رائحة الإخوان في كثير من الأزمات، وخاصة المتعلقة بالأسعار، ويميز التعليقات التي تخرج من لجانهم الإلكترونية وسيرفراتهم، هي جزء من نهجهم إثارة الفتنة للعودة مجدداً إلى المجتمع والسيطرة على «التنفيس» فيه، يمارسون الآن ما أسماه حميدة بـ«الانتشار الصامت» في محاولة لاصطياد أجيال جديدة لا تعلم شيئاً عن تاريخهم، من خلال صفحات تروج أفكاراً مجتمعية، مثل مساعدة الغير وجبر الخواطر ودعم الإنسان على تخطى المحن، كلها مسارات مفتوحة وعادية ومكررة تجذب جيل z بل وجيل ألفا أيضاً، لا يتحدثون في الدين، فهذا الجيل لن ينجذب للاعتكاف ولا نصرة الإسلام ولا نصرة الرسول، كونها موضوعات قديمة لا تناسب تفكيرهم العملى، يستطيع حميدة فرز هذه الصفحات والحسابات بسهولة، من فرط خبرته بالإخوان وطرقهم، يكشفهم من التفاعل الكبير والأعمى، وتكرار الأفكار بين الصفحات، بل إن كثيراً من الفيديوهات التي تنشر على الحسابات لمواقف تبدو إنسانية قد تكون مدبرة أو مصنوعة من قبلهم، يبدأ الأمر بالتعاطف والتفاعل مع ما هو إنسانى، ثم مواقف تعكس الظلم والاستبداد والتفرقة بين المجتمعات، حتى يجد الشاب نفسه في تواصل مباشر مع أشخاص من عينة أنس حبيب كمثال.
وبحسب حميدة فإن مهمة الإخوان رغم التكنولوجيا وسهولة الخداع والاختراق والوصول لكنها ما زالت صعبة، بعد أن لفظهم المجتمع المصرى وكشف عدد كبير من أعضاء التنظيم نفسه وتبرؤهم منه، لكن هذا لا ينفي أن المحاولات مستمرة وأن الحرب لم تنته، يحاول جاهداً أن يكون فيما بقى له من عمر صوت يكفر عن كل ما اقترفه من جرائم، وأولاها وأهمها «جريمة الانتماء للإخوان».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك