كشفت واحدة من أعنف فترات الانقسام داخل جماعة الإخوان الإرهابية حجم الصراعات التى ظلت تدور خلف الأبواب المغلقة بين قيادات التنظيم، بعدما تحولت الخلافات حول النفوذ والقيادة إلى معركة كشفت مراكز القوة الحقيقية داخل الجماعة.
وخلال تلك المرحلة برز اسم محمد البحيرى باعتباره أحد أكثر القيادات تأثيرًا فى صناعة الكوادر وبناء شبكات الولاء التنظيمى، حتى أصبح رقماً صعباً فى معادلات الصراع الداخلى وأحد أبرز الوجوه المحسوبة على الحرس القديم داخل التنظيم.
وقال طارق أبو السعد، الكاتب والباحث فى شؤون الإسلام السياسى، إن محمد البحيرى لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد قيادى تنظيمى تقليدى داخل جماعة الإخوان، بل يعد أحد أبرز مهندسى البنية الفكرية والتنظيمية التى قامت عليها الجماعة الإرهابية خلال العقود الماضية، مشيرًا إلى أن الرجل ينتمى إلى جيل الحرس القديم المتشبع بأفكار سيد قطب، والذى ظل يعتبر نفسه وصيًا على ما يسمى" العقيدة الإخوانية" وحارسًا لمسار الجماعة الفكرى والتنظيمى، وهو من أخطر الشخصيات في تنظم الإخوان؛ فهو من القطبيين الذين يؤمنون بالعنف ويكفرون المجتمع، ومن أبرز سماته الشخصية أنه كتوما لا يشارك أحداً الرأي، ويخفي قراراته حتى عن معاونيه، مؤكدًا أن البحيري يعمل بشكل تآمري دائماً.
من تنظيم 65 إلى رجل التنظيم الدولىوأضاف أبو السعد خلال تصريحه لـ" اليوم السابع" أن البحيرى كان أحد عناصر تنظيم 1965 الذى ارتبط بمخططات تستهدف تغيير النظام بالقوة، وحكم عليه بالسجن المؤبد فى تلك القضية، قبل أن يخرج لاحقًا ويتحول إلى أحد أبرز الأسماء المكلفة بإدارة ملفات الجماعة خارج مصر.
وأوضح أن انتقاله إلى اليمن مثّل نقطة تحول مهمة فى مسيرته التنظيمية، حيث تولى الإشراف على قطاعات واسعة من عناصر الإخوان هناك، مستفيدًا من وجود أعداد كبيرة من المصريين العاملين فى المؤسسات التعليمية، ليبدأ فى بناء شبكة واسعة من الكوادر التى تدين له بالولاء وتخضع لمدرسته التنظيمية والفكرية.
صناعة أجيال إخوانية عابرة للحدودوأكد أبو السعد أن البحيرى لم يكتف بإدارة التنظيم فى اليمن، بل نجح فى تأسيس شبكة ممتدة من العناصر الإخوانية التى انتشرت لاحقًا فى عدد من الدول الإفريقية والآسيوية، لافتًا إلى أن كثيرًا من هؤلاء وصلوا إلى مواقع تنظيمية مؤثرة داخل الجماعة وفروعها المختلفة.
وأشار إلى أن تأثير الرجل لم يكن مرتبطًا بمنصب رسمى بقدر ارتباطه بملف التربية والتكوين الفكرى، وهو الملف الذى مكنه من تخريج أجيال كاملة ظلت مرتبطة به وبأفكاره على مدار سنوات طويلة، الأمر الذى جعله أحد أبرز مراكز النفوذ داخل التنظيم الدولى للإخوان.
وأوضح أبو السعد أن خطورة البحيرى الحقيقية تمثلت فى قدرته على بناء دوائر ولاء واسعة داخل الجماعة، مضيفًا أن الرجل كان حريصًا على صناعة كوادر تدين بالولاء للأشخاص أكثر من ولائها للمؤسسة، وهو ما أسهم فى ظهور مراكز قوى متشابكة داخل التنظيم.
وأضاف أن هذا النمط من الإدارة كان أحد أسباب تفاقم الأزمات الداخلية داخل الجماعة، حيث تحولت الخلافات التنظيمية فى كثير من الأحيان إلى صراعات بين شبكات النفوذ المتنافسة، وليس مجرد اختلافات فى وجهات النظر أو الرؤى السياسية.
السمع والطاعة.
العقيدة الحاكمةوأكد أبو السعد أن البحيرى كان من أكثر القيادات تمسكًا بمبدأ السمع والطاعة، باعتباره أحد الأسس التى يقوم عليها التنظيم، موضحًا أن الجماعة اعتادت التعامل مع المعترضين على قرارات القيادة باعتبارهم خارجين على الصف التنظيمى.
وأشار إلى أن بعض الأزمات الداخلية كشفت عن استخدام وسائل ضغط قاسية ضد المخالفين، وصلت فى بعض الحالات إلى وقف الدعم المالى أو الإعاشة أو المساعدات التنظيمية المقدمة لهم، فى محاولة لإجبارهم على العودة إلى طاعة القيادات والالتزام بتوجيهاتها.
وأضاف أن أزمة شباب الإخوان فى السودان كانت من أبرز النماذج التى أظهرت هذا النهج، حيث جرى التعامل مع المعترضين بمنطق العقاب التنظيمى والإقصاء بدلاً من الحوار واحتواء الخلافات.
الانحياز إلى جبهة لندن خلال أزمة الانقساموقال أبو السعد إن الانقسام الذى شهدته الجماعة بين جبهتى لندن وإسطنبول كشف حجم الطموحات الشخصية والصراعات المكتومة داخل التنظيم، موضحًا أن محمد البحيرى كان يمتلك من النفوذ التنظيمى ما جعله رقماً مؤثراً فى تلك المعادلة، ولقبه بـ" الكاهن الأعظم".
وأشار إلى أن البحيرى انحاز فى النهاية إلى جبهة لندن، وهو موقف ارتبط بحسابات النفوذ وموازين القوة داخل الجماعة، خاصة فى ظل المكانة التى كان يتمتع بها لدى قطاعات واسعة من الكوادر التى أشرف على تربيتها وإعدادها على مدار عقود.
حارس العقيدة أم أحد أسباب الانقسام؟واختتم أبو السعد تصريحاته بالتأكيد على أن محمد البحيرى يمثل نموذجًا واضحًا لطبيعة الأزمة التى تعيشها جماعة الإخوان الإرهابية، ففى الوقت الذى يراه أنصاره أحد حراس العقيدة التنظيمية، يرى آخرون أنه كان جزءًا من منظومة أنتجت الانقسامات والصراعات الداخلية عبر تكريس الولاءات الشخصية وتقديمها على المؤسسية.
وأكد أن تجربة البحيرى تكشف حجم التناقض داخل الجماعة، التى تتحدث كثيرًا عن الشورى والديمقراطية، بينما تُدار فعليًا عبر شبكات النفوذ والولاءات وموازين القوة، وهو ما جعل الصراعات الداخلية سمة ملازمة للتنظيم فى مختلف مراحله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك