التلفزيون العربي - مذكرة التفاهم "دخلت حيز التنفيذ".. ماذا قال ترمب عن صواريخ إيران؟ قناة الجزيرة مباشر - مراسلة الجزيرة ترصد آراء الجماهير القطرية قبيل المباراة أمام كندا القدس العربي - جدول أعمال يثير الريبة يتضمن التحضير للحرب العالمية الثالثة.. تسريب يكشف عن بيانات مجتمع سري يضم شخصيات دولية قناة الجزيرة مباشر - مفاوضات إيرانية أمريكية مرتقبة خلال 60 يوما للتوصل لاتفاق نهائي الجزيرة نت - مباشر مباراة غانا ضد بنما في كأس العالم 2026 العربية نت - "أنت ستموت".. ماذا قال محمد مرزبان عن قيادة الدراجات النارية قبل رحيله العربي الجديد - لبنان | تراجع وتيرة الهجمات الإسرائيلية منذ الإعلان عن اتفاق إيران الجزيرة نت - قيادي بارز جديد ينشق عن تحالف حميدتي ويكشف الأسباب الجزيرة نت - نيمار يعود إلى معسكر البرازيل وسط احتفاء خاص من زملائه قناة القاهرة الإخبارية - مصر في صدارة المشهد الإقليمي.. تحركات إسرائيلية لتعطيل اتفاق واشنطن وطهران
عامة

طبشوري… حين تصبح الرحمة شكلاً من أشكال المقاومة

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

في الحروب، تتشابه الوجوه، وهي تركض هاربة من الموت. يحمل الناس ما خفّ وزنه وغلا ثمنه: طفل نائم على كتف، صورة قديمة، مفتاح بيت، أو ذكرى يخشون أن تضيع. لكن الحروب تكشف أيضاً عن وجوه أخرى للإنسان، وجوه تق...

في الحروب، تتشابه الوجوه، وهي تركض هاربة من الموت.

يحمل الناس ما خفّ وزنه وغلا ثمنه: طفل نائم على كتف، صورة قديمة، مفتاح بيت، أو ذكرى يخشون أن تضيع.

لكن الحروب تكشف أيضاً عن وجوه أخرى للإنسان، وجوه تقاس بما يبقى في القلب من رحمة حين ينهار كل شيء حوله.

في البقاع الغربي، حيث مرّت الحرب مثل سحابة سوداء فوق الحقول والبيوت والطرقات، عاش شاب في الثامنة والعشرين من عمره اسمه وليد حمود قصة لم يكن يتوقع أن تلامس قلوب آلاف الناس.

لم يكن بطلاً يحمل سلاحاً، ولم يكن صاحب منصب أو شهرة.

كان شاباً بسيطاً، يملك قلباً واسعاً وحماراً صغيراً اسمه «طبشور».

اسم قد يبدو عابراً للوهلة الأولى، لكنه تحوّل مع الأيام إلى عنوان حكاية كاملة عن الوفاء والحب والرحمة.

كان طبشور يمشي خلف وليد أينما ذهب.

لا يحتاج إلى حبل يشده، ولا إلى عصا توجهه.

يكفي أن يتحرك صاحبه حتى تتحرك معه خطواته الصغيرة.

وكأن بين الاثنين لغة سرية لا يسمعها أحد، لغة لا تحتاج إلى كلمات.

في عالم اعتاد أن ينظر إلى الحمير بوصفها رمزاً للسخرية أو البلادة، جاء طبشور ليقلب الصورة كلها.

لم يكن حيواناً في حياة وليد، إنما كان رفيقاً حقيقياً، صديقاً يعرف الطريق إلى صاحبه أكثر مما يعرف الطريق إلى الحقل.

وكان وليد بدوره يراه كائناً يستحق الحب والرعاية والاهتمام، لا مجرد دابة للعمل.

كل صباح كان يطعمه ويسقيه ويطمئن عليه.

لم يكن يفعل ذلك من باب الواجب فقط، بل من باب المودة.

تلك المودة الصامتة التي تنمو بين الأرواح.

ثم جاءت الحرب.

وحين تأتي الحرب، يتغيّر كل شيء.

تصبح المسافات أطول، والطرق أكثر خطراً، والأيام أثقل من الجبال.

يصبح الخوف جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، حتى إن الإنسان يعتاد سماعه كما يعتاد صوت الريح.

في تلك الأيام، كان وليد يخرج كل يوم تقريباً ليطعم طبشور ويسقيه، رغم المخاطر التي كانت تحيط بالمكان.

لم يكن الأمر سهلاً.

كان يعرف أن أي خطوة قد تحمل خطراً، وأن العودة ليست دائماً مضمونة.

ومع ذلك، كان يعود إلى صديقه الصغير.

ربما لأن الحب الحقيقي لا يعرف لغة الحسابات.

كان يمكنه أن يقول لنفسه إن الظروف أقوى منه، وإن النجاة أولى، وإن حيواناً واحداً لا يستحق المجازفة.

لكنه لم يفعل.

في كل مرة كان يقترب من طبشور، كان يشعر أنّه يقترب من جزء من نفسه.

كأن تركه وحيداً يعني التخلي عن شيء عميق في داخله، شيء لا تستطيع الحرب أن تسلبه ما دام حياً.

وحين كان الناس يسألونه عن سبب هذا التعلق، كان يجيب ببساطة تلامس القلب أكثر من أي خطاب طويل: «بحبّه وما فيي اتركه».

كم تبدو هذه العبارة بسيطة.

وكم تحمل من المعاني.

في زمن الحروب، يصبح الحب نفسه عملاً من أعمال المقاومة.

مقاومة للقسوة، للخراب، لفكرة أن الخوف يجب أن ينتصر على الرحمة.

ولعل أكثر ما يوجع في قصة وليد لم يكن الخطر الذي كان يواجهه، بل الفكرة التي ظلّت تطارده.

ماذا لو عادت الحرب من جديد؟ ماذا لو اضطر هذه المرة إلى الابتعاد عن طبشور؟كان يتحدث عن هذا الاحتمال وكأنه يتحدث عن فقدان صديق أو فرد من العائلة، لأن العلاقة بينهما تجاوزت منذ زمن حدود العلاقة التقليدية بين الإنسان والحيوان.

هناك كائنات تدخل حياتنا بهدوء، ثم تتحول إلى جزء من ذاكرتنا اليومية.

نعتاد وجودها إلى درجة أننا لا نلاحظ حجم حضورها إلا حين نتخيل غيابها.

كان طبشور واحداً من تلك الكائنات.

ولذلك لم يكن غريباً أن يتحول إلى ظاهرة إنسانية على وسائل التواصل الاجتماعي.

لم يقع الناس في حب الحمار لأنه حمار.

وقعوا في حب صورة الوفاء التي يمثلها.

أحبوا فيه تلك البراءة التي ما زالت قادرة على النجاة وسط عالم يزداد قسوة يوماً بعد يوم.

وأحبوا أكثر ذلك الشاب الذي لم يخجل من التعبير عن حبه.

في زمن يبالغ فيه الناس بإظهار القوة، وقف وليد أمام الكاميرا ليتحدث عن مشاعره تجاه حيوان صغير بكل عفوية وصدق.

لم يختبئ خلف الأقنعة المعتادة للرجولة القاسية.

لم يحاول أن يبدو بطلاً خارقاً.

تحدث كما يتحدث إنسان يحب كائناً آخر ويخاف عليه.

وربما لهذا السبب صدّقه الجميع.

فالصدق، مثل الماء، يجد دائماً طريقه إلى القلوب.

انتهت الحرب، أو على الأقل هدأت نارها.

وبقي وليد مع طبشور.

بقي المشهد نفسه.

شاب يسير في الحقول، وحمار صغير يمشي إلى جانبه.

صورة قد تبدو عادية جداً لو نظرنا إليها بسرعة، لكنها في الحقيقة تختصر شيئاً كبيراً.

تختصر حقيقة أن العالم لا ينجو بالقوة وحدها.

ينجو بأشخاص يرفضون التخلي عمّن يحبون، حتى حين يصبح ذلك صعباً.

ينجو بأولئك الذين يمدّون أيديهم نحو كائن ضعيف بدلاً من أن يديروا ظهورهم له.

ينجو بكل لحظة إنسانية صغيرة تقف في وجه الخراب الكبير.

لهذا لم يتحول طبشوري إلى قصة منتشرة لأنه حمار مختلف، بل لأنه أعاد تذكير الناس بشيء كانوا يخشون أن ينسوه، بأن الوفاء ما زال موجوداً، وبأن الرحمة ما زالت ممكنة، وبأن الحروب، مهما دمّرت من بيوت وطرقات وحقول، لا تستطيع أن تقتل كل ما هو جميل في الإنسان.

في مكان ما من البقاع الغربي، ما زال وليد ينادي صديقه الصغير، وما زال طبشوري يرفع أذنيه ويمشي خلفه.

وفي زمن امتلأ بالأخبار الثقيلة، تبدو هذه الصورة وحدها كافية لتقول لنا إن العالم، رغم كل شيء، ما زال بخير.

في الصباح الأول بعد إعلان وقف إطلاق النار، لم يكن الجنوب يشبه نفسه.

كانت الطرقات ذاتها، والقرى ذاتها، وأشجار الزيتون التي نجت من النار ما زالت تقف هنا وهناك، لكن شيئاً عميقاً كان قد انكسر في قلب المشهد.

خرج الناس من أماكن نزوحهم كما يخرج القلب من قفصه.

حملوا مفاتيح البيوت التي ربما لم تعد موجودة، ووضعوا في السيارات ما تبقى من حقائب وذكريات وأحلام مؤجلة، ثم سلكوا الطريق المؤدية إلى الجنوب.

لم تكن رحلة عودة عادية، بل كانت رحلة نحو المجهول، نحو ما تبقى من أعمارهم.

على امتداد الطريق، كان الصمت سيد المشهد.

لم يكن أحد يجرؤ على طرح الأسئلة التي تتزاحم في داخله.

هل ما زال البيت قائماً؟ هل نجت الغرفة التي شهدت أول خطوات طفل؟ هل بقيت صورة الأم معلقة على الجدار؟ أم أن الحرب مرّت من هنا ومحت كل شيء؟وحين بدأت القرى تظهر في الأفق، لم يركض الناس نحو منازلهم.

كانوا يمشون ببطء، كأنهم يخشون مواجهة الحقيقة دفعة واحدة.

كانت العيون تسبق الخطوات، تبحث بين الركام عن علامة مألوفة، عن نافذة، أو شجرة، أو باب، أو حتى حجر يحمل ذاكرة.

في إحدى القرى، وقف رجل مسن أمام كومة هائلة من الأنقاض.

ظل يحدق طويلاً من دون أن ينطق بكلمة.

لم يكن ينظر إلى حجارة مهدمة، إنما إلى عمر كامل دفن تحتها.

هنا كانت غرفة نومه، وهنا كانت زوجته تزرع الريحان قرب النافذة، وهنا كبر أولاده، وهنا احتفل بالأعياد واستقبل الضيوف.

خمسون عاماً من الحياة تحولت في لحظات إلى غبار.

وفي حي آخر، كانت امرأة تنبش الركام بيديها العاريتين.

لم تكن تبحث عن مال أو مجوهرات.

كانت تبحث عن أثر صغير من حياتها السابقة.

صورة قديمة، لعبة طفل، أو فنجان قهوة اعتادت أن تبدأ به صباحاتها.

وحين عثرت على قطعة صغيرة نجت من الخراب، ضمّتها إلى صدرها كما لو أنها استعادت جزءاً من روحها.

في تلك اللحظات، يصبح ما تبقى من الذاكرة أثمن من أي شيء آخر.

الشوارع التي كانت تضج بالحياة، وبدت كأنها خرجت من زمن آخر.

أبنية مفتوحة على السماء، شرفات معلقة فوق الفراغ، متاجر اختفت من الوجود، ومساجد وكنائس تحمل آثار الجراح على جدرانها.

كل زاوية كانت تروي حكاية عائلة، وكل حجر كان شاهداً على حياة مرت من هنا.

ومع ذلك، لم يكن المشهد كله يأساً.

وسط الخراب، كان هناك من يحمل مكنسة وينظف أمام منزله المهدّم.

وهناك من يرفع الحجارة عن مدخل بيته.

وهناك من يزرع شتلة صغيرة في أرض لم تجف دموعها بعد.

كأن الجنوبيين كانوا يعلنون بصمت أن الحرب قد تهدم الحجر، لكنها لا تستطيع هدم إرادة الحياة.

أحد الشبان كان يكنس أمام منزل فقد نصفه.

وحين سئل لماذا يبدأ التنظيف الآن، ابتسم قائلاً: «لأننا سنبقى هنا».

كانت جملة قصيرة، لكنها بدت أكبر من كل الركام المحيط به.

الحروب تراهن دائماً على الخوف.

تراهن على أن الناس سيرحلون إلى الأبد، وأن البيوت ستبقى مهجورة، وأن الأرض ستفقد أصحابها.

لكن الجنوب كان يرد بطريقته الخاصة.

كان يرد بعودة أهله إليه.

فالبيت ليس الجدران وحدها.

البيت هو الإنسان الذي يعود إليه، والمرأة التي تفتح نافذته، والطفل الذي يركض في أروقته، والرجل الذي يزرع شجرة جديدة مكان تلك التي احترقت.

لهذا لم يعد الجنوبيون إلى بيوت فقط، إنما عادوا إلى أنفسهم.

عادوا إلى الأرض التي تحفظ أسماءهم وخطواتهم وذكرياتهم.

عادوا ليبدأوا من جديد، رغم كل شيء.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك