ترجمة: علاء الدين أبو زينةبونوا بريفيـل* - (لوموند ديبلوماتيك) 5/6/2026العصر الذي كانت فيه واشنطن قادرة ببساطة على أن تقرر مع من يستطيع العالم أن يتاجر أو لا يتاجر، ثم تتوقع الامتثال لأوامرها، يقترب من نهايته.
اضافة اعلانبعد أن اتهمت وزارة الخزانة الأميركية خمس مصافٍ صينية بشراء النفط الإيراني، قامت بإدراجها في 24 نيسان (أبريل) على قائمتها المتنامية باستمرار للشركات الخاضعة للعقوبات.
وبدا هذا، في ظاهره، إجراءً روتينياً لا يثير الانتباه.
فعلى مدى عقود، نصّبت واشنطن نفسها صاحبة للحق في تقرير من يحق له الاتجار مع بقية العالم ومن لا يمتلك هذا الحق، بينما رضخ الآخرون لإملاءاتها خشية استبعادهم من النظام المالي الدولي المرتبط بالدولار.
لكنّ الأمور لم تسر وفق الخطة المرسومة هذه المرة.
رفضت بكين، التي كانت تكتفي في السابق بالاحتجاجات اللفظية والالتفافات الهادئة على العقوبات، هذه الإجراءات، وأعلنت أن المحاكم الصينية ستلاحق قضائياً أي شركة تمتثل لها.
وبررت موقفها بالحاجة إلى" حماية سيادة البلاد وأمنها ومصالحها التنموية".
وبعبارة أخرى: منع العقوبات الأميركية من تعطيل تدفقات الطاقة التي أصبحت عنصراً أساسياً في اقتصاد المنطقة.
تزوّد المصافي المستهدفة بالعقوبات عدداً من الدول بالبنزين ووقود الطائرات.
ومن شأن إدراجها على القوائم السوداء أن يضعف سلاسل التوريد في قارة تعمل بوصفها منظومة إنتاجية متكاملة وواسعة النطاق: هيدروكربونات الخليج؛ ومكوّنات صينية وكورية جنوبية؛ وخطوط تجميع في فيتنام وبنغلادش.
وفي إطار هذا التشابك العميق من الاعتماد المتبادل، يمكن لأي اضطراب طويل الأمد في تدفقات الطاقة -التي أضعفتها مُسبقاً التوترات المحيطة بمضيق هرمز- أن يدفع جهاز الإنتاج بأكمله سريعاً إلى حالة من الفوضى والاختلال.
إن هذا الخطر هو الذي تشدد بكين أمامه لهجتها، خاصة وأنها أصبحت تمتلك الوسائل للتخفيف من أثر العقوبات المالية الأميركية: نظاماً للمدفوعات العابرة للحدود؛ وتوسعاً متزايداً في استخدام اليوان لتسوية تجارة النفط؛ واتفاقيات بين البنوك المركزية؛ ومشاريع لتطوير عملات رقمية قابلة للتشغيل البيني.
ولهذا تغيرت حسابات الصين؛ حيث أصبح الدخول في صراع قوة مع الولايات المتحدة أقل كلفة من تحمل اضطراب مطوّل في التدفقات التجارية.
توجه هذه الحادثة ضربة جديدة إلى نظام العقوبات الذي يجري استخدامه بوتيرة متزايدة بينما تتراجع فعاليته باطراد.
وقد تدفع إلى اعتماد استراتيجيات أكثر منهجية للالتفاف على العقوبات، مستفيدة من ظهور آليات بديلة تدعمها الصين.
وكتب أحد المحللين، بنبرة احتفالية -وربما متعجلة بعض الشيء: " إن العصر الذي كانت فيه واشنطن قادرة ببساطة على أن تقرر مع من يستطيع العالم أن يتاجر أو لا يتاجر، ثم تتوقع الامتثال لأوامرها، يقترب من نهايته" (صحيفة" ذا مورنينغ ستار"، عدد 16 أيار/ مايو).
ولكن ما يزال من غير الواضح بعد أي نوع من النظام الاقتصادي هو الذي تسعى الصين نفسها إلى ترسيخه.
يقدم رد فعل بكين على" قانون المسرّع الصناعي" الذي كشف الاتحاد الأوروبي النقاب عنه في مطلع آذار (مارس) مؤشراً مهماً في هذا الصدد.
فقد قدمت المفوضية الأوروبية الخطة بوصفها علاجاً لظاهرة تراجع التصنيع، وهي تربط الدعم الحكومي باستخدام مكوّنات مصنوعة محلياً ونقل التكنولوجيا، خاصة في قطاعات البطاريات والمركبات الكهربائية والألواح الشمسية.
وقد سارعت بكين إلى التنديد بهذه السياسة، معتبرة أنها تمثل انزلاقاً نحو" الحمائية" يتعارض مع قواعد" منظمة التجارة العالمية".
كما حذرت الحكومة الصينية من أنه" إذا مضى الاتحاد الأوروبي في هذا التشريع وألحق ضرراً بمصالح الشركات الصينية، فلن يكون أمام الصين خيار سوى اتخاذ إجراءات مضادة".
لكنّ هذه الأدوات نفسها تشبه إلى حد بعيد الوسائل التي استخدمتها الصين طويلاً لبناء نهضتها الصناعية، والتي شرعت الولايات المتحدة في تطبيقها بحماس متزايد خلال العقد الماضي.
بذلك، تدافع بكين، وهي تتحدى الهيمنة الأميركية، في الوقت نفسه، عن استمرار نظام التجارة الحرة الذي ظلت واشنطن هي التي تحدد معالمه لعقود طويلة.
وهي تتبنى بذلك المنطق نفسه: في التجارة العالمية، لا تكمن الأهمية الحقيقية في القواعد بقدر ما تكمن في قوة الجهات التي تضع هذه القواعد.
*بونوا بريفيـل Benoît Bréville: صحفي وكاتب فرنسي متخصص في الشؤون الدولية والسياسية والاقتصادية.
انضم إلى صحيفة" لوموند ديبلوماتيك" في العام 2004، وتدرّج في مناصبها التحريرية قبل أن يصبح رئيس تحريرها في العام 2023.
تُعنى كتاباته بقضايا العولمة، والسلطة السياسية، والإعلام، والعلاقات الدولية، ويُعرف بتحليلاته النقدية للسياسات الاقتصادية الليبرالية ولتحولات النظام الدولي المعاصر.
*نُشر هذا المقال تحت عنوان: When Sanctions Stop Working.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك