مع انطلاق مباريات كأس العالم لا تكون الكرة وحدها هي التي تتصدر المشهد، بل ثمة لحظات تتجاوز حدود الرياضة إلى معانٍ أعمق وأكثر رسوخًا.
دقائق قليلة تسبق صافرة البداية، لكنها تختزل قصة وطن بأكمله، لاعبون تترقرق الدموع في أعينهم وهم يرددون السلام الوطني، وجماهير ترفع الأعلام في المدرجات بفخر، وأطفال يحفظون كلمات النشيد قبل أن يحفظوا أسماء نجوم اللعبة.
إنها مشاهد تستحق التوقف عندها؛ لأنها تكشف أن كرة القدم ليست مجرد منافسة على لقب، وإنما مناسبة عالمية لإعادة اكتشاف معنى الانتماء.
العالم، خلال كأس العالم، يتحدث لغة واحدة هي لغة كرة القدم، لكن القلوب تتحدث لغة أخرى هي لغة الوطن.
ولعل من أكثر المشاهد دلالة أن ترى جدًّا يجلس إلى جوار حفيده في المدرجات، وكلاهما يردد السلام الوطني بالحماسة نفسها.
هنا لا تنتقل مجرد كلمات نشيد، بل تنتقل ذاكرة وطن، وإحساس بالانتماء، وقيم تتوارثها الأجيال من دون حاجة إلى دروس نظرية.
هذه المكانة التي تحظى بها الرموز الوطنية في الملاعب أدركها قادة كثيرون؛ ففي نهائي كأس فرنسا عام 2002 غادر الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك المنصة الرسمية احتجاجًا على إطلاق صافرات الاستهجان أثناء عزف النشيد الوطني الفرنسي، لم يعتبر الأمر مجرد تصرف جماهيري عابر، بل مساسًا برمز يجمع الفرنسيين جميعًا، ووصف ما حدث بأنه «غير معقول وغير مقبول»، حتى تأخر انطلاق المباراة واعتذر اللاعبون رسميًّا قبل استئنافها.
كان ذلك موقفًا يؤكد أن احترام العلم والسلام الوطني ليس شأنًا بروتوكوليًّا، وإنما قيمة وطنية لا تقبل المساومة.
لقد أثبتت التجارب أن الرياضة ليست ترفًا، وإنما منظومة متكاملة لبناء المواطنة، فهي تجسد الانتماء عندما يلتف الجميع حول المنتخب الوطني، وترفع اسم الدولة عاليًا عندما يحقق الرياضيون الإنجازات، وتغرس قيم الانضباط والعمل الجماعي واحترام التنوع وقبول الآخر، وهي القيم ذاتها التي تحتاج إليها المجتمعات لبناء وحدتها واستقرارها.
ويشير الباحث الرياضي جون إي.
فوكس، المحاضر في جامعة بريستول، إلى أن بطولات كرة القدم الدولية تسهم في تشكيل وإعادة إنتاج الانتماء الوطني الجماعي، إذ تتحول الملاعب إلى فضاء تلتقي فيه مكونات المجتمع كافة حول رمز واحد هو المنتخب الوطني، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويقوي الهوية المشتركة.
كما تؤكد الباحثة نوربرت كيرستينغ من جامعة ستيلينبوش أن البطولات الكبرى يمكن أن تكون وسيلة لترسيخ الوطنية الإيجابية القائمة على احترام التنوع، فقد أظهرت دراستها عن كأس العالم في ألمانيا عام 2006 كيف نجحت البطولة في تعزيز الاعتزاز الوطني رغم تعدد أصول لاعبي المنتخب الألماني، لتصبح الرياضة جسرًا يجمع ولا يفرق.
ومع انطلاق كأس العالم 2026، في وقت تبدو فيه المنطقة والعالم أمام فرص جديدة لخفض التوترات وفتح نوافذ للحوار، تبدو كرة القدم وكأنها تمنح البشرية استراحة قصيرة من أصوات المدافع، لتعلو بدلا منها صيحات الجماهير وأصوات الأقدام فوق المستطيل الأخضر، وقد لا تستطيع الرياضة إنهاء الصراعات، لكنها قادرة على تذكير الشعوب بما يجمعها أكثر مما يفرقها.
لهذا، فإن مشاهد الدموع أثناء عزف السلام الوطني، والأعلام التي تملأ المدرجات، ليست مجرد لقطات عاطفية عابرة، بل دروسا مجانية في الوطنية، إنها رسائل ينبغي أن تستثمرها الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الرياضية، لترسيخ مفهوم المواطنة في نفوس الأجيال الجديدة؛ فالوطنية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمواقف والمشاهد التي تلامس الوجدان.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه كأس العالم لنا، بعيدًا عن الأهداف والكؤوس، أنه يذكرنا بأن الوطن يستحق أن نبكي من أجله فرحًا، وأن نقف احترامًا لسلامه الوطني، وأن نرفع علمه بفخر في كل محفل.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك