فالغضب أحياناً ليس كرهاً.
هو حب لم يجد طريقه إلا عبر الصراخ.
فالناس حين تصل إلى مكان بعيد، تنسى أحياناً كم كان بعيداً.
وحين تعتاد الحلم، تتوقف عن تذكر المسافة التي احتاجها كي يصبح حقيقة.
وربما لهذا بدت مباراة النمسا أكبر مما ينبغي.
بينما بدت الرحلة كلها أصغر مما تستحق.
الحكاية في تلك اللحظة التي اكتشف فيها الأردنيون أنهم لم يعودوا ينظرون إلى العالم من الخارج.
بل صاروا ينظرون إلى أنفسهم فيه!فالخسارة قد تكون خبراً ليوم واحد.
أما الوصول إلى هذا المكان فهو خبر جيل كامل.
لسنوات طويلة، كان كأس العالم نافذة نطل منها على الآخرين.
ثم نغادر كما يغادر الزائر مدينة لا يسكنها.
أما اليوم، فقد أصبح للأردن مقعده في المشهد.
وحكايته التي لم تعد مستعارة من أحد.
ولهذا بدا لي شيء واحد أغرب من نتيجة النمسا:ذلك النسيان الذي يجعل مباراة واحدة أكبر من رحلة كاملة.
كأن بعضنا نسي كم كان هذا المكان بعيداً.
وكم بدا الوصول إليه مستحيلاً.
وكم مرة تعثر الحلم قبل أن يجد طريقه إلى الضوء.
وأخطر ما يفعله الوصول بالناس أنه يمحو من ذاكرتهم المسافة.
فجأة يصبح الوقوف في المكان نفسه أمراً عادياً.
ويصبح الحلم القديم حقاً مكتسباً.
ويصبح الإنجاز خبراً قديماً.
ثم ننسى كم تعبنا للوصول إليه.
تبقى لأنها لا تُبنى في تسعين دقيقة.
بل في أعوام من المحاولة والتعثر والنهوض.
هذا المنتخب لم يبدأ من المدرجات الممتلئة.
بدأ من أماكن أصغر من أحلام أصحابها.
ومن محاولات كثيرة انتهت بخيبة.
حتى وصل إلى المكان الذي ظل الأردنيون عقوداً ينظرون إليه من بعيد.
المسافة بين حلم كان يبدو أكبر من أصحابه.
وحقيقة أصبح بعضنا يختلف على تفاصيلها.
كان يمكن أن تكون المباراة أجمل.
وكان يمكن أن يكون الأداء أفضل.
وكان يمكن أن تكون النتيجة مختلفة.
لكن ذلك كله يبقى تفصيلاً أمام حقيقة أكبر.
في المكان الذي ظل طويلاً يُرى من الشاشات.
ولهذا لا أرى أن أهم ما خرجنا به من هذه المشاركة هدفاً.
أرى أن أهم ما خرجنا به هو صورة جديدة لأنفسنا.
صورة وطن اكتشف أن أحلامه ليست أصغر من العالم.
وأن مكانه لا يُقاس بلحظة تعثر.
بل بقدرته على مواصلة الطريق.
لكن الخسارة الحقيقية كانت ستحدث لو بقينا حيث كنا لعقود.
فإن الأردن لا ينظر إلى العالم من بعيد.
لقد أصبح جزءاً من المشهد نفسه!بل اللحظة التي لم نعد فيها خارج الصورة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك