للأسف يبدو الكاتب الألماني هرمان كيستن، المولود عام 1900 ليرحل عام 1984، منسياً تماماً في أيامنا هذه كما كان منسياً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وهو حتى حين يذكر بصورة نادرة في مناسبة أو أخرى، بالكاد تذكر له من بين أعماله الأدبية الكثيرة، والموزعة بين المسرحات والروايات التاريخية خاصة، والمجموعات القصصية، رواية غير تلك التي كانت لفترة من الزمن أشهر رواياته، بل واحدة من أشهر الروايات التي تحدثت عن فصل دامٍ ومؤلم من فصول الحرب الإسبانية.
وهو بالتحديد الفصل الذي خلدته لوحة الفنان بيكاسو المعروفة باسم" غيرنيكا"، اللوحة التي وصفت بإبداع استثنائي تلك المجزرة التي اقترفها نازيو هتلر وفاشيو موسوليني بطائراتهم العسكرية لحساب حليفهم فرانكو إبان تلك الحرب الإسبانية التي باتت بدورها شبه منسية اليوم لولا لوحة بيكاسو وبعض النصوص من أندريه مالرو، وجورج أورويل وخاصة إرنست همنغواي.
ولعل من الظلم الفادح ألا تحتسب رواية كيستن" أطفال غيرنيكا" الصادرة للمرة الأولى عشية الحرب العالمية الثانية عام 1939، ضمن إطار إبداعات تلك المجموعة الرائعة من مبدعين شاركوا بالفعل في الحرب الإسبانية كما نعرف، بينما انتهى الأمر بكاتب" أطفال غيرنيكا" إلى غياهب النسيان.
هو ظلم ربما تكون شهرة لوحة بيكاسو مسؤولة عنه بصورة أو بأخرى، غير أن الكاتب نفسه قد يكون مسؤولاً أيضاً، لأنه بدلاً من التركيز على نشاطاته الإبداعية وكانت غزيرة، ركز اهتمامه على السياسة والنضال ضد هتلر ونازييه، فاعتبر كثر روايته الكبرى تلك، جزءاً من ذلك النضال وليس العكس.
للأسف.
وهنا، في انتظار أن نعود آخر هذا الكلام إلى الكاتب نفسه، قد يكون من المنطقي وحاله على تلك الشاكلة مرتبطة بسمعة تلك الرواية نفسها، أن نتوقف عند ذلك النص ولا سيما أنه بقدر ما يتكلم عن مجزرة البلدة الإسبانية الشهيدة، يبدو بصورة أو بأخرى وكأنه، بالنسبة إلينا، يتكلم عن غزة أو عن الجنوب اللبناني الذين جعل تعنت البعض وإجرام البعض الآخر، مصيرهما يشبه مصير غيرنيكا، ولا سيما بالنظر إلى أن الأطفال كانوا في الحالات الثلاث معاً أول الضحايا وأكثرهم مظلومية، وسوف نرى بالتأكيد من خلال رواية كيستن التي من المؤسف أن لا دمار غزة، ومعها القضية الفلسطينية، ولا دمار الجنوب اللبناني ومعه لبنان نفسه، أنتجوا، حتى الآن في الأقل، ما يضاهي ما أنتجت مجزرة غيرنيكا التي لا يزيد دمارها والإجرام المحيط بذلك الدمار، عما سيكون من نصيب غزة ولبنان، بعد ما يقارب قرناً خيل فيه لكثر أن الإنسانية تعلمت دروساً لم تتعلمها في الحقيقة، وعادت سيرتها قاتلة للبراءة ومدمرة للروح قبل الجسد.
ولعل أول ما يمكن قوله عن" أطفال غيرنيكا" إنها رواية تمزج، بحسب النقاد، " بين الحس الإنساني العميق والتأمل في مآسي الحروب وتأثيرها في الأطفال الأبرياء".
ولقد قال كيستن دائماً إنه إنما كتب هذه الرواية في سياق اهتمامه" بمصير اللاجئين والمنفيين ولا سيما من بين الأطفال الذين عانوا الاضطرابات السياسية والحروب التي اجتاحت أوروبا خلال النصف الأول من القرن الـ20".
وندرك على الفور أن الرواية تستمد عنوانها من تلك البلدة الإسبانية التي ارتبط اسمها بالقصف الشهير الذي تعرضت له خلال الحرب الأهلية الإسبانية عام 1937 من قبل الطيران الحربي الألماني ـ الإيطالي، وهو القصف الذي خلف صدمة كبرى في الضمير الأوروبي وألهم بيكاسو تلك اللوحة.
غير أن كيستن لا يركز في روايته على الحدث العسكري، كما يفعل بيكاسو في لوحته، بقدر ما يسلط الضوء على الأطفال الذين وجدوا أنفسهم ضحايا الصراعات التي يفتعلها الكبار ويخوضونها.
وهكذا من خلال مجموعة من الشخصيات الصغيرة يرسم الكاتب صورة مؤثرة للخوف والاقتلاع وفقدان الوطن.
ويصور في الوقت نفسه قدرة الأطفال على الصمود والتمسك بأهداب الأمل.
على رغم كل شيء.
وتعالج الرواية المنفى أو بالأحرى، الاقتلاع، في السياق نفسه بوصفه تجربة إنسانية شاملة.
فالأطفال الذين تفرقت بهم السبل يواجهون عالماً جديداً لا يفهمون لغته أو عاداته، لكنهم مع ذلك يحاولون التكيف معه والبحث عن معنى لحياتهم وسط الخراب.
وفي هذا السياق يبرز الكاتب أهمية التضامن الإنساني ولا سيما الذي يسود في عالم الصغار، إذ يرينا كيف يعثر أبطال روايته على بعض أنواع العون أحياناً لدى أشخاص غرباء في ما يبدو وكأنه يتجاوز الانقسامات السياسية والقومية، وحتى الأيديولوجية أحياناً.
وذلك بالتحديد لأن هذا الكاتب كان يتعمد البحث عما يجمع بني البشر إلى بعضهم البعض، مصوراً كيف أن الناس ما أن ينحّوا ما يفرق بينهم جانباً، حتى يبقى لديهم ذلك الحس الحقيقي الذي يشعرهم أنهم إنما يعيشون معاً وسط عالم واحد وعليهم أن يعرفوا كيف يتكيفون فيه مع بعضهم البعض بالنظر إلى أن ليس ثمة في انتظارهم في نهاية المطاف أي حلول أخرى.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)بمثل هذه الأفكار عرف هرمان كيستن كيف يكون عنصراً من العناصر المؤسسة في الرواية الألمانية لتيار عرف في ذلك الحين بتيار" الموضوعية الجديدة".
ولقد مكنه انتماؤه إلى هذا التيار من أن يختبئ خلف الرواية التاريخية بصورة خاصة، كي يخوض نضاله ضد النازية والهتلرية، هو الذي بدأ يطل على عالم الأدب وهو في الـ27 من عمره، وفي البداية عبر رواية أولى هي" يوسف يبحث عن حريته" التي كانت الإعلان الأول عن ولادة التيار الذي سرعان ما بات كيستن متزعماً له ولا سيما عبر زخم في وتيرة الإنتاج مكنه من أن ينتج خلال أعوام أولى نشطة أعمالاً مثل" النصاب" التي أتت روايته التالية يومها" أطفال غيرنيكا" لتسقطها عن مكانة سامية في أعماله التي راحت تلقى رواجاً كبيراً.
غير أنه اضطر بعد رواية غيرنيكا هذه إلى الانتظار نحو ثمانية أعوام قبل أن يستعيد نسغه الأدبي عبر أعمال مسرحية وروائية تمتزج الفلسفة فيها بالسياسة وغالباً تحت غطاء المواضيع التاريخية التي بدا شديد البراعة في الاستعانة بها ليقول دائماً أفكاراً راهنة بل تكاد أحياناً تكون" شديدة الوعظية إلى حد إثارة ملل القارئ"، بحسب نقاد أبدوا دائماً تفضيلهم للروايات المبكرة التي كتبها في غمرة نضالاته ضد النازية، على تلك التي واصل كتابتها بعدما انهزمت النازية لكنه بقي متمسكاً بمقارعتها.
والحقيقة أن ذلك العناد قد أضعف من وهج مقروئيته في ألمانيا مما جعله، هو الذي كان قد سلك درب المنفى الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية إذ طارده النازيون، يفضل البقاء في أميركا حيث نال جنسيتها وراح يكتب سيراً للكبار باللغة الإنجليزية هذه المرة.
ولقد تميزت سيره تلك إلى حد أن كثراً شبهوها بما أنتجه ستيفن تزفايغ قبله بأعوام عديدة في هذا المضمار نفسه.
ومن أشهر كتبه في هذا المضمار سيرتا كوبرنيك وكازانوفا اللتان سار فيهما على خطى كان قد رسمها لنفسه في هذا التنوع الأدبي منذ أصدر عام 1936 سيرة" فردينان وإيزابيلا" ثم سيرة فيليب الثاني بعدها بعامين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك