مع تصاعد وتيرة تدفّق المهاجرين غير النظاميين نحو الجزائر وتونس وليبيا في مسعى إلى العبور للسواحل الأوروبية، عادت إلى الواجهة تقارير غربية تتهم روسيا بالسعي إلى الضغط على بروكسل عبر استغلال تحالفها مع المجلس العسكري الحاكم في النيجر.
وألغى المجلس بقيادة الجنرال عبدالرحمن تياني، وهو مجلس منبثق عن انقلاب عسكري، قانوناً سنّته الحكومة النيجرية عام 2015، يُجرّم تهريب المهاجرين لا سيما عبر إقليم أغاديز، وهو واحد من أهمّ الممرات الصحراوية التي يعبر من خلالها المهاجرون نحو شمال أفريقيا تمهيداً لركوب قوارب الموت.
ووقعت روسيا في الأعوام الماضية اتفاقات أمنية واقتصادية واسعة مع النيجر، التي باتت بوابة حقيقية لنفوذ موسكو في الساحل الأفريقي، ومع ذلك لا يُعلّق الكرملين على الاتهامات له بمحاولة توظيف هذا التحالف للضغط على أوروبا بورقة المهاجرين.
وتذهب دوائر سياسية وأمنية أوروبية وتقارير غربية إلى حدّ القول إنّ روسيا تعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على إعادة تشكيل مسارات الهجرة نحو أوروبا، عبر تسهيل تحركات قوافل المهاجرين من عمق الساحل باتجاه شمال أفريقيا، بما قد يزيد الضغط السياسي والاجتماعي على الدول الأوروبية.
وعلى رغم أن هذه الاتهامات تبقى في إطار تقديرات أمنية وسياسية أكثر من كونها حقائق مثبتة، فإنها تعكس مستوى التوتر المتصاعد بين روسيا والغرب في فضاءات النفوذ الجديدة، وبخاصة بعد تراجع الحضور الفرنسي في المنطقة وصعود أنظمة انتقالية أكثر انفتاحاً على شركاء جدد.
وقال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية سلطان ألبان، " لا شك أن روسيا توظف ورقة الهجرة كسلاح هجين ضدّ أوروبا لأن إلغاء المجلس العسكري في النيجر بقيادة عبدالرحمن تياني قانون 2015، الذي كان يجرم تهريب المهاجرين عبر الأراضي النيجرية وفُرض أصلاً تحت ضغط من الاتحاد الأوروبي، أدى إلى عودة تهريب المهاجرين من طريق أغاديز".
وتابع ألبان في حديث خاص أن" هناك بصمات لـ’فاغنر‘ وموسكو تتجاوز القرار القانوني في النيجر عبر المشاركة الميدانية المنظمة، التي وثقتها منظمات على غرار ’إيو بريسبكتيفس‘ التي تحدثت عن شاحنات تتبع ’فاغنر‘ تقوم بنقل مهاجرين من نيامي إلى أغاديز وكذلك داخل بوركينا فاسو بهدف تسهيل توصيلهم إلى المهربين، ويمتدّ هذا الدور الروسي إلى ليبيا".
وبيّن أنه" في ليبيا يُسهم عناصر ’فاغنر‘ في تيسير وتسهيل صعود المهاجرين على قوارب الموت في مسعى إلى الوصول لأوروبا، و’فرونتكس‘ حذرت في تقرير عام 2024 – 2025 من أن التمركز الروسي في ليبيا والساحل يمنح موسكو ورقة التحكم في الهجرة".
وكان تقرير نشره المعهد الدنماركي للدراسات الدولية قد حذّر من أنّ سقوط التعاون الأوروبي – النيجري في ملفّ الهجرة جعل أغاديز أكثر انفتاحاً على عودة شبكات التهريب، فيما حذّرت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) من أنّ روسيا تستفيد من هذه التحوّلات.
ومع ذلك، يرى الباحث السياسي الروسي، ديمتري بريدجيه، أنّ" روسيا لا تسعى إلى الضغط على أوروبا عبر هذه الملفات لكن لها اهتمامات في أفريقيا عبر شركة ’فاغنر‘ شبه العسكرية ومجالات أخرى، وتصاعد موجة اللاجئين والمهاجرين من دول الساحل الأفريقي هو مرتبط أساساً بالمشكلات التي تشهدها هذه الدول".
وتابع بريدجيه" صحيح أنّ هذه الموجة تزيد من الضغط على أوروبا وقد يكون هناك نوع من الارتباط أو محاولة لإقحام روسيا في هذا الملف للضغط عليها، أو لأن يكون هناك اتهامات لموسكو بتأزيم الوضع في أوروبا من خلال هذه الورقة، لكن هذه الاتهامات غير واقعية".
ولفت إلى أنّ" هذه الاتهامات تندرج في سياق أوسع لشيطنة روسيا التي تعاني أصلاً أزمات داخلية على غرار استهداف منشآتها النفطية ومناطق مدنية من قبل أوكرانيا.
وهذه الأزمة، أي أزمة تصاعد المهاجرين من الدول الأفريقية، مرتبطة أساساً بالأزمات التي تعرفها دول مثل مالي".
وتجدر الإشارة إلى أن روسيا نجحت خلال الأعوام الماضية في ترسيخ نفوذ غير مسبوق في كثير من الدول الأفريقية على غرار مالي والنيجر وبوركينا فاسو ومدغشقر، مستفيدة من موجة من الانقلابات العسكرية التي أطاحت أنظمة متحالفة مع الغرب وصعود ضباط شباب إلى السلطة يتبنون خطاباً سيادياً معادياً للعواصم الغربية.
ويعتقد سلطان ألبان أنّ" الهجرة ليست هدفاً بحدّ ذاتها وفق المنطق الاستراتيجي لموسكو، بل هي ورقة ضمن سياق أوسع للضغط على أوروبا عبر كثير من المحاور، أولها محاولة الضغط عليها داخلياً، فصعود الأحزاب اليمينية مرتبط جزئياً بأزمة الهجرة مما يضعف الإجماع الأوروبي حول دعم أوكرانيا وملفات استراتيجية مهمة لروسيا".
وأردف المتحدّث ذاته" ثانياً الانتقال من الدفع نحو طرد القوات الغربية في النيجر ومالي وبوركينا فاسو مما أدى إلى خلق فراغ والبحث عن وسيلة لملء هذا الفراغ.
وموسكو تسعى كذلك إلى استغلال المعادن الطبيعية لا سيما اليورانيوم حيث تحتلّ النيجر المرتبة السابعة عالمياً في إنتاجه، لذا الضغط عبر الهجرة سيعزز موقع موسكو التفاوضي لاستغلال هذه الثروات".
وفي ظلّ امتناع روسيا عن التعليق على هذه الاتهامات وتصاعد موجة الهجرة نحو دول شمال أفريقيا، فإنّه من غير الواضح تأثير ذلك في العلاقة المُتوتّرة أصلاً بين موسكو والعواصم الأوروبية بسبب ملفات حساسة مثل أوكرانيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك