رسمت مسودة مذكرة التفاهم الموقعة عن بُعد بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والإيراني مسعود بزشكيان معالم مرحلة انتقالية تهدف لإنهاء الصراع الإقليمي.
وينص البند الأول من المذكرة على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية، مع التزام الأطراف الموقعة وحلفائها بالامتناع عن المبادرة بأي حرب أو استخدام القوة، وضمان سلامة الأراضي اللبنانية وسيادتها.
في هذا السياق، أكد الدكتور محمد عز العرب، مدير وحدة الدراسات العربية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الساحة اللبنانية تواجه حالة من التلاعب السياسي من جانب الأطراف الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن ورود بند وقف الحرب في لبنان ضمن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية لا يضمن بالضرورة نهاية فعلية للعمليات العسكرية على الأرض.
وأوضح عز العرب في مداخلة على قناة الغد، أن مذكرة التفاهم ركزت على وقف المواجهة المباشرة، لكنها أغفلت تحديد طبيعة العلاقة المستقبلية بين إيران ووكلائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان.
وأشار مدير وحدة الدراسات العربية إلى وجود رغبة واضحة لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتيار اليمين المتطرف للاستمرار في استهداف حزب الله، بهدف إحباط وإفساد الاتفاق الأميركي الإيراني الذي تراه تل أبيب مضرًا بمصالحها الأمنية.
وأضاف أن التقديرات الاستراتيجية لإسرائيل تدفعها لمواصلة الضغط العسكري لمنع حزب الله من استغلال التهدئة لإعادة تموضعه وبناء قدراته مجددًا.
وأكد عز العرب أن الحكومة الإسرائيلية تسعى جاهدة لتثبيت مكتسباتها الميدانية ونفوذها العسكري داخل الأراضي اللبنانية التي توغلت فيها، موضحًا أن إسرائيل لن تفرط بسهولة في تواجدها بجنوب لبنان، وتستخدم هذا التواجد لتعزيز الردع الصلب وترهيب الخصوم، وفرض واقع جديد يتجاوز أي تفاهمات سياسية دولية لا تلبي شروطها كاملة.
في السياق ذاته، أفاد دبلوماسيون غربيون لصحيفة «جيروزاليم بوست» بأن هذا الإطار سيُلقي بظلاله مباشرة على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، حيث كانت التفاهمات السابقة المشتركة مع واشنطن تشترط ربط وقف إطلاق النار بنزع سلاح حزب الله وانسحابه إلى شمال نهر الليطاني، بالتزامن مع دخول الجيش اللبناني إلى المناطق الحدودية مع انسحاب القوات الإسرائيلية.
في المقابل، أكد مسؤولون إسرائيليون أن تل أبيب تخوض مفاوضات عنيدة مع واشنطن لضمان استمرار نشر قواتها داخل جنوب لبنان وإنشاء مناطق عازلة، حسبما نقلت وكالة رويترز.
وأكدت المصادر أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرفض سحب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي استولى عليها جنوب نهر الليطاني، نظرًا لأنها ركيزة أساسية للأمن القومي لضمان عودة سكان المستوطنات الشمالية.
وتشير التقديرات الأمنية في تل أبيب إلى أن حسم هذا الملف سيعتمد على مدى صرامة الرئيس الأميركي، وما إذا كان سيفرض شروط الاتفاق عبر الضغط والتلويح بعواقب وخيمة في حال رفضت إسرائيل الامتثال لمقتضيات التهدئة الإقليمية.
شهدت الساحة اللبنانية تحولاً بارزًا بقيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي دعا في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» إلى فتح قنوات حوار مباشرة لإنهاء الصراع الممتد منذ عقود، متصديًا للنفوذ الإيراني في البلاد.
واتهم عون طهران صراحة بمعاملة لبنان كـ«ورقة مساومة» في استراتيجيتها الإقليمية، مؤكدًا التزام الحكومة بوضع كافة الأسلحة تحت سلطة الدولة الشرعية.
وحذر الرئيس اللبناني من أن محاولة نزع سلاح الحزب بالقوة قد تنزلق بالبلاد نحو حرب أهلية جديدة، مشددًا على أن تفكيك الحالة العسكرية لحزب الله يجب أن يتلازم مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل عبر القنوات الدبلوماسية.
من جهته، رفض الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، أي محادثات مباشرة مع إسرائيل واصفًا إياها بالاستسلام، مؤكدًا أن القوة الإيرانية باتت مسموعة عالميًا بعد فشل محاولات إسقاط النظام في طهران.
واتهم قاسم الحكومة بتقديم تنازلات غير مبررة، مشددًا على أن مشروع تدمير البنية العسكرية للحزب يستهدف شريحة واسعة من المجتمع اللبناني.
على الجانب الآخر، أحدثت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران انقسامًا داخليًا حادًا في إسرائيل، إذ أظهر استطلاع رأي أجرته هيئة البث الإسرائيلية (كان)، أن 55% من الإسرائيليين يعارضون الاتفاق ويرونه مضرًا بالمصالح الأمنية، مقابل تأييد 18% فقط.
وانتقد قادة المعارضة، ومن بينهم إيهود باراك ويائير لابيد، أداء نتنياهو واصفين الاتفاق بأنه إخفاق استراتيجي صادم خرجت منه إيران أكثر قوة.
وأعرب مسؤولو المؤسسة الأمنية عن إحباطهم، مؤكدين أن حملة الضغط الأقصى والعسكري كانت قد أوصلت النظام الإيراني إلى حافة الانهيار الاقتصادي.
وتتخوف الأوساط الاستخباراتية من استغلال طهران لمهلة الـ60 يومًا المخصصة للمفاوضات النووية لكسب الوقت وتقليص المدة اللازمة للوصول إلى السلاح النووي، في حين يصر ترمب على أن الاتفاق يمثل صفقة جيدة لإسرائيل لأنه يحيد الخطر النووي الذي يهدد وجودها.
وتتزامن المساعي الدبلوماسية في لبنان مع أزمة إنسانية، من جراء الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
ووثقت منظمة اليونيسف مقتل 247 طفلاً وإصابة 992 آخرين منذ مارس/آذار الماضي، وسط تحذيرات من ضياع جيل كامل بسبب النزوح المتكرر وتدمير البنية التحتية والمنشآت التعليمية.
ويرى خبراء ومحللون أن نجاح التفاهم الهش بين واشنطن وطهران يرتبط بمدى القدرة على صياغة اتفاق حدودي دائم بين إسرائيل ولبنان.
وتكمن الأولوية الملحة للدولة اللبنانية في استعادة احتكارها الشرعي للسلاح وبسط سيادتها، بدعم من القوى الدولية ومجموعة السبع التي دعت لوقف مستدام للأعمال العدائية، محذرة من أن بقاء حزب الله كقوة مسلحة برعاية إيرانية سيعني تجدد الصراع الإقليمي وانهيار التهدئة الاستراتيجية في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك